بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١١٩ - الاستدلال على البراءة بالسنة
كان المقصود نفي الوجود التشريعي للعنوان الأولي، لا الوجود الخارجي، فهذا بحسب الحقيقة يكون ثابتاً بلحاظ عقد الحمل، كما في قوله:
(لا رهبانية في الإسلام)،
فالنفي تعلّق بالعنوان الأولي الرهبانية التي يتعقل أن تكون موضوعاً للحكم، و لكن (لا ربا بين الوالد و ولده) حاكم بلحاظ عقد الوضع، لأنّه ناظر إليه بحسب وجوده الخارجي بخلاف الأول، (لا رهبانية في الإسلام)، فإنّ المنفي فيه هو الوجود التشريعي للرهبانية، و لهذا أضافه إلى الإسلام، و هذا عبارة أخرى عن الحكم، إلّا أنّه تعبير عنائي عن الحكم.
و الذي يعيّن ذلك هو، ما ذكرناه من النكتة، في أنّ الرفع هل هو للوجود الخارجي، أو التشريعي؟ فإن كان بلحاظ الوجود الخارجي، فالحاكمية بلحاظ عقد الوضع، و إن كان بلحاظ الوجود التشريعي فالحاكمية بلحاظ عقد الحمل.
و أمّا إذا تعلّق النفي بالعناوين الثانوية كما في (ما اضطروا إليه)، فهل صحيح أنّ الحاكم يكون بلحاظ عقد الحمل لا عقد الوضع؟
نقول: غير صحيح أن يكون متعيناً في ذلك، إذ قد يكون حاكماً بلحاظ عقد الوضع.
و ما قيل في الإشكال على ذلك، نقول في جوابه: إنّه عندنا جزءان في الموضوع، أحدهما: العنوان الأولي، و الآخر: العنوان الثانوي، و لا شك في أنّ كل واحد منهما لا بدّ أن يفرض حيثية تقيدية، و لا معنى لإلغاء أحد هذين الجزءين رأساً، بل يكون ذلك خلاف ظاهر الدليل، و لكن سنخ هذا الرفع يختلف تبعاً لمناسبات الحكم و الموضوع، فإنّ العرف في مثل ذلك يفهم أنّ الجزء الأول مصبّه الرفع، و الجزء الثاني مصبه قيد الرفع، و هو الاضطرار، فيصير