بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٥٨ - الاستدلال على البراءة بالسنة
فمثلًا: في أخذ الملاقاة للنجس موضوعاً للنجاسة، أو في أخذ مسّ الميت موضوعاً لوجوب الغسل، أو أخذ البول موضوعاً لوجوب الوضوء، أو في أخذ مباشرة النساء موضوعاً لوجوب غسل الجنابة، فهذه الأمور كلّها لم يدل دليل أنّ للاختيار دخلًا فيها بوجه من الوجوه، فإنّ هذه الأمور موضوعات للأحكام الإلزامية، و ليست متعلقات لها، و أيضاً ليس هذه الأحكام من باب العقوبة على موضوعاتها، و أيضاً لم يكن القصد و الاختيار دخيلًا في مفاهيمها حتى يقال:
(إذا بلت عن قصد و اختيار فتوضأ).
و الحاصل: هو أنّ موضوعات الأحكام الإلزامية و إن ذهب بعضهم إلى خروجها تخصيصاً عن حديث الرفع ( [١])، و كان لكلام من قال بخروجها تخصصاً وجاهة ( [٢])، لأنّ الاضطرار في نظر العرف صفة للفعل المضطر إليه، فإن كان هناك حكم مترتب على نفس الفعل، كما في الكفارة المترتبة على الإفطار، ارتفع بالاضطرار و الإكراه، و أمّا إذا كان الحكم مترتباً على عنوان الملاقاة، كما في النجاسة أو أي عنوان آخر غير الفعل، فهو لا يرتفع بحديث الرفع، لأنّ ما يتصف بالاضطرار و هو الفعل ليس موضوعاً للحكم، و ما هو موضوع للحكم ليس متصفاً بالاضطرار إليه.
و هذا الكلام كما قلنا و إن كان لا يخلو من وجاهة، إلّا أنّه لا يأتي في النسيان، فإنّ الاضطرار و إن كان يتعلق بالفعل المضطر إليه في نظر العرف، لكن النسيان قد يتعلق بالفعل و بغير الفعل، كما في من نسي ملاقاة ثوبه للنجاسة، ثم نسي هذه الملاقاة التي هي
[١] فوائد الأصول: النائيني، ج ٣، ص ١٣١ ١٣٠
[٢] أجود التقريرات: الخوئي، ج ٢، ص ١٧٦.