بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣ - المقدمة الثالثة في التمييز بين الأصول العملية العقلية و بين مجموع الشرعيات من أصول عملية و أمارات
و أمّا الأصول العملية العقلية، كقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، أو (أصالة الاحتياط)، فهذه الأصول العملية العقلية ليس مرجعها إلى ذلك، لأنّ العقل ليس مشرعاً، و ليس له إعمال المولوية كما هو واضح، إذ ميدان التزاحم بين الأغراض الواقعية في مقام الحفظ شأن المولى، و ليس شأن العبد و عقله، نعم، العبد ليس له إلّا تشخيص ما يقتضيه رسم العبودية في مقام الامتثال و ما يستوجبه حق الطاعة.
إذاً فالأصول العملية العقلية أجنبية عن علاج باب التزاحم الحفظي، و إنّما هي ناظرة إلى إدراك صدور حق الطاعة للمولى على العبد، فحينما يكون الأصل العملي العقلي متكفلًا لإطلاق العنان من قبيل قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فهذا ليس معناه ترجيح غرض على غرض، بل معناه أنّ العقل يرى أنّ المولى ليس له حق الطاعة في التكاليف التي لم يتم عليها البيان، و مع عدم الحق يقبح حينئذٍ العقاب عليه.
كما أنّ مرجع أصالة الاحتياط في مورد حكم العقل بمنجزية الاحتمال، إلى أنّ المولى له حق الطاعة على العبد بهذا النحو من الوصول الاحتمالي، كالشك قبل الفحص، فترك الفحص حينئذٍ يكون موجباً للإدانة
إذاً، فالأصول العملية العقلية مرجعها إلى مرحلة متأخرة عن المرحلة التي تعالجها الأصول العملية الشرعية، لأنّها ناظرة محضاً إلى عالم الامتثال، و بصدد تشخيص مقدار حق الطاعة و ثبوته أو نفيه، و بهذا كانت الأصول العملية الشرعية فضلًا عن الأمارات مقدمة و واردة على الأصول العملية العقلية، لأنّ الأصول العملية الشرعية