بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٩ - الاستدلال بالكتاب على الاحتياط
الاحتمال الثالث: هو أن تكون هذه الفقرة (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) تكراراً سلبياً للفقرة الأولى من قوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ( [١])، و هذا سياق عرفي رائج، و ذلك بأن يفرض أنّ المولى يأمر بفعل، و ينهى عمّا يكون مقابلًا لذلك الفعل، و من شئون تركه في مقام تأكيد الأمر على ذلك الفعل، فليس هنا شيئان، بل هنا شيء واحد، يلبس تارة صيغة الإيجاب فيكون أمراً بالفعل، و أخرى يلبس صيغة السلب، فيكون نهياً عمّا يسبب ترك ذلك الفعل من العواقب، و خصوصاً إذا كان الثاني حاوياً على نكتة يراد إبرازها، كما في الآية الكريمة، لأنّه يريد أن يبيّن أن ترك الإنفاق يترتب عليه الهلكة، و هذا مضمون جملة من الروايات التي أكدت على أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله يؤدّي إلى الهلاك، و لذا ورد: (حصنوا أموالكم بالزكاة).
و واضح أنّ هذا ناظر إلى هلاك المال، لا إلى هلاك الإنسان في الآخرة، و لكن الهلاك الطبيعي للمال لا المتجسد في نفس هذا الشخص، بل قد يكون بلحاظ هذا الشخص، و قد يكون بلحاظ عقبه و أولاده.
و مع وجود هذه الاحتمالات الثلاثة لا يمكن حينئذٍ الاستدلال بالآية الكريمة على المطلوب.
الأمر الثاني: مما يرد على الاستدلال بهذه الآية هو أن يقال: إنّه لو سلّمنا الاحتمال الأول و فرضنا أظهريته، إلّا أنّ النهي: (وَ لا تُلْقُوا) يستحيل أن يكون نهياً مولوياً منجزاً للتكليف، لأنّه يفرض في المرتبة السابقة عليه وجود الهلكة، فحينئذٍ إذا فرض في الشبهة البدوية أنّه كان هناك في المرتبة السابقة على هذا النهي وجود عقاب، أو احتمال عقاب أخروي، فهذا معناه: أنّ التكليف منجز في المرتبة السابقة عليه، فلا يكون نهياً
[١] نفس الآية.