بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٨ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
الوجدان على أنّ العقل يدرك أنّ العقاب قبيح بلا بيان، و هذا لا إشكال فيه في كثير من الحالات.
إلّا أنّ هذا الاستدلال أساساً غير صحيح، لأنّه مبني على تلك الفكرة الخاطئة، و هي أنّ للمولوية معنى واحداً لا يزيد و لا ينقص، بحيث إذا عرفنا مقتضيات مولوية المولى العرفي، نقيس عليها مولوية المولى الحقيقي.
بل لا بدّ أن نفرق بين مولوية ثانية بلا جعل جاعل، من قبيل مولوية الله تعالى الثابتة بملاك الخالقية و المنعميّة، و بين مولويّة ثانية مجعولة بجعل جاعل، من قبيل المولويات التي تجعل عرفاً، فإنّ هذه إنّما تجعل في دائرة التكاليف المقطوعة فقط، و أمّا المولوية غير المجعولة فهي ثابتة بملاك النفس الأمري و لها مراتب تتفاوت بحسب درجة المنعمية، إذاً، فلا يمكن أن يستدل على ضيق مولوية لضيق مولوية أخرى، و قاعدة قبح العقاب بلا بيان مرجعها إلى ضيق دائرة المولوية، و هذه تضيق و تزيد بحسب ما لها من الملاكات.
و مولوية الله تعالى فيها نكتتان:
النكتة الأولى: هي أنّها مولوية قائمة على أساس منعمية لا حدّ لها، و حينئذٍ، المولوية التي تنشأ من هذه المنعمية غير المحدودة لا بدّ من أن تفرض أنّها مولوية لا حدّ لها أيضاً.
النكتة الثانية: هي أنّ هذه المولوية ناشئة من مالكية الله تعالى لنفس الإنسان و جسمه، و تصرف الإنسان في نفسه و جسمه تصرف في مال الغير، فلا بدّ من إحراز رضاه في حال الشك، و قطعاً هذا بقطع النظر عن الاستصحاب، لأنّنا نريد أن نحقق هذه المسألة بمقتضى حكم العقل، وعليه: فإذا كان هذا واضحاً في نفسه، فلا إشكال في