بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٢ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
أفراد الحكم العقلي في باب الحسن و القبح العقليين اللذين مرجعهما إلى قضيتين أساسيتين:
القضية الأولى: هي قبح الظلم.
القضية الثانية: هي حسن العدل.
و كل قبيح يرجع بالآخرة إلى قبح الظلم، لأنّه قبيح بالذات، و حينئذٍ، ففي المقام حينما يلاحظ مخالفة المكلف لمولاه بعد افتراض المولوية، نرى أنّ هذه مخالفة تكليف تمّت عليه الحجة، فهذا ظلم للمولى، لأنّه خروج عن مقام العبودية، فيحكم بقبحه و يستحق العقاب عليه.
و هذا الكلام من الواضح أنّه مصادرة على المطلوب، و ذلك لأنّ قوله (قده): (بأنّ مخالفة التكليف بلا حجّة ليس ظلماً)، إن أراد بعدم قيام الحجة، يعني: أنّ ما يصحح العقاب يصير ضرورية بشرط المحمول، إذاً، فيصير معنى الكلام: أنّ العقاب على مخالفة تكليف لا يصح العقاب على مخالفته ليس ظلماً و لا يصح العقاب عليه، فكأنّنا أخذنا المحمول في الموضوع.
و إن أراد أنّه لم يعلم به و إن كان مشكوكاً أو مظنوناً، فهذا أوّل الكلام و أوّل البحث، مضافاً إلى أنّ منهجية هذا التقريب غير صحيحة، لأنّه في هذا البيان التزم بأنّ القاعدة الأولى في باب القبح العقلي هي قبح الظلم، و كل حكم آخر هو متفرع عنه، فالخيانة قبيحة لأنّها ظلم و هكذا أشباهها، بينما هذا غير صحيح كما أوضحناه في بعض مباحث الدليل العقلي، لأنّ قضية قبح الظلم لا يعقل أن تكون قضية أولية في أفق العقل العملي، لأنّ الظلم معناه: التجاوز و سلب الشخص حقه، فنحن عند ما نقول: (الظلم قبيح) لا بدّ من افتراض