بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٥ - أمّا الشق الأول من كلامه
فإنّه يرد عليه أولًا: أنّه لا مانع يمنع من جريان البراءة عنه، و بذلك ينفى عنه استحباب الاحتياط.
و يرد عليه ثانياً: أنّنا لا نسلم كون استحباب الاحتياط أمراً جزمياً لا يمكن نفيه بالبراءة، و ذلك لأنّ الوجه في جزمية استحبابه هو أحد أمرين:
الأمر الأول: هو أن تكون جزمية استحبابه مستندة إلى أخبار الاحتياط و أخبار (من بلغه)، المفيدة لاستحبابه الشرعي الواقعي بناء على استفادته منها، كما في أخبار التثليث، من قبيل: (حلال بيّن و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من ارتكب الشبهات وقع في المحرمات)، و من الواضح عدم شمولها للمستحبات إلّا أن يستفاد شمولها مما نقله الشيخ الأنصاري (قده) من أخبار مرسلة من قبيل: (ليس بناكب عن الصراط من سلك طريق الاحتياط)، أو: (أخوك دينك، فاحتط لدينك)، فإنّها ساقطة سنداً، و كذلك أخبار (من بلغه)، فإنّ مفادها احتمالًا عندنا، و جزماً عند السيد الخوئي (قده)، هو الاستحباب النفسي للعنوان الثانوي الذي هو البلوغ، بينما عندنا تفيد الاستحباب الطريقي، من قبيل: استحباب الاحتياط، و من الواضح أنّه لا منافاة بين الاستحباب النفسي لعنوان البلوغ، و بين عدم استحباب الاحتياط.
الأمر الثاني: هو أن تكون جزمية استحبابه مستندة إلى أخبار (من بلغه) في حسن الاحتياط عقلًا، أو استحبابه الواقعي شرعاً، و معه تكون كلتا هاتين الدلالتين أجنبية عن مدلول البراءة الشرعية، و حديث الرفع أيضاً كما عرفت سابقاً، و ذلك لأنّ البراءة الشرعية تعني نفي الاستحباب الشرعي الظاهري الطريقي، بملاك ترجيح غرض