بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٦ - الاستدلال على البراءة بالسنة
تركه، هل يكون صحيحاً، لكفاية بقاء الملاك أو المقتضي في الصحة؟ بينما لو لم يمكن استفادة بقاء الملاك من حديث الرفع، إذاً، فلا يمكن أن نحكم بصحة ما أوقعه المكلّف ممّا رفع حكمه بحديث الرفع.
و هنا يمكن تقريب استفادة وجود ملاك من حديث الرفع بأحد تقريبين:
التقريب الأول: هو أن يقال: إنّ حديث الرفع مسوق مساق الامتنان على الأمة، و من الواضح أنّ الامتنان لا يكون إلّا في صورة فرض وجود الملاك، و المولى يرفع يده عنه، و أمّا في صورة عدم وجود الملاك، لا يكون رفع يده عن التكليف تفضلًا و امتناناً منه على الأمة، لأنّه لا مقتضي للتكليف حينئذٍ.
و هذا الكلام غير تام، لأنّه إنّما يصح هذا في الموالي العرفية الذي يكلفون عبيدهم مأموريهم بمصالحهم الشخصية، و لا يصح في الموالي الذي يكون نظرهم إلى مصالح نفس العبيد و المأمورين كما هو الحال بالنسبة إلى الحق تعالى، فإنّه في مثله لا يصح ما ذكر، لأنّه إمّا أن يكون ذلك الشيء الذي رفع يده عنه متعلقاً لغرضه تعالى، و هذا معناه: حاجته تعالى إليه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، و إمّا أن يكون به مصلحة للمكلّف، و حينئذٍ أيّ منّة في رفع اليد عن تلك المصلحة، إذ هذا خلاف الامتنان.
و حيثية الامتنان إنّما هي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يريد أن يوضح للناس، أنّ هذه الشريعة كاملة وافية بتمام شئون الإنسان، و تلحظ جميع اعتباراته الأولية و الثانوية، و لا تتعدّى حدود الفطرة السليمة في مقام تربية الإنسان، إذاً، فالامتنان بكمال الشريعة التي تنظر بعينين، تنظر