بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
و الجواب: هو أنّ هذا يرجع إلى إدراك العقل العملي لهذه القضية عند كل شخص بشخصه، فكل إنسان يرجع إلى عقله ليرى أنّ المولى سبحانه له حق الطاعة في خصوص التكاليف المقطوعة أم في الأعم منها؟
و لا أظن بعد أن شرحنا المسألة بهذا النحو، أنّ شخصاً يبقى عنده شك في شمول مولوية الله سبحانه لكل ما نحتمل صدوره من تكاليف، لأنّ العقل يستقل بأنّ حق الطاعة لله سبحانه لا حدّ له بعد أن كانت مولويته لا حدّ لها، وعليه: نثبت منجزيّة الاحتمال، و لا يبقى مجال لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لا للبراءة العقلية من بعدها.
و حيث إنّ هذا الكلام يبدو غريباً على الأذهان المشبعة بهذه القاعدة، لا بدّ من التكلّم في جهتين.
الجهة الأولى: في استقراء تاريخ هذه المسألة، ليظهر أنّ هذه المسألة لا أثر لها في كلمات علمائنا الأولين، و أنّها إنّما نشأت من الصناعة، و معه لا يبقى مجال لتوهم فطريتها كما يدّعى.
الجهة الثانية: في استعراض الأدلة التي ذكروها لمناقشتها.
أمّا الجهة الأولى: فنقول: إنّه قبل الشيخ المفيد و الشيخ الطوسي (قده) لا نرى عيناً و لا أثراً لفكرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان، نعم، يوجد في بعض كلمات الشيخ الصدوق (قده) المصير إلى الإباحة و البراءة في موارد الشك في التكليف، إلّا أنّه لا يعلم، بل لا يظن أنّه أراد البراءة العقلية، بل لعلّ المظنون أنّ مقصوده من البراءة هو ما استفيد من الأدلة الشرعية، كما أنّ الشيخين المفيد و الطوسي (قده) لم يظهر منهما تبني هذه القاعدة بوجه من الوجوه، بل