بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٤ - التنبيه الثاني هو ما ذكره في الدراسات من الاستشكال بدعوى إيقاع المعارضة بين استصحاب عدم جعل التكليف، و استصحاب عدم الإباحة
الجواب الأول: هو أنّ الإباحة الثابتة يحتمل فيها احتمالان.
الاحتمال الأول: هو أن تكون الإباحة المجعولة على المباحات، ثابتة بعناوينها الأولية، فالماء بما هو ماء مباح، و هكذا الخل و نحوه.
كما أنّ الحرمة ثابتة للأشياء بعناوينها الأولية، فإذا كان الأمر كذلك، فحينئذٍ لا يمكن أن يتوهم أن استصحاب عدم جعل الحرمة يعارض باستصحاب عدم جعل الإباحة، لأنّ التتن إن كان من قبيل الخمر، فقد جعلت الحرمة عليه، و إن كان من قبيل الخل فقد جعلت عليه الحلية.
الاحتمال الثاني: هو أن تكون الإباحة من المباحات الواقعية ثابتة للأشياء لا بعناوينها الأولية، بل بعنوان أنّه لم يجعل فيها الحرمة و لم يرد فيها النهي، بمعنى: أنّ الشارع له إباحة واقعية واحدة ذات عرض عريض موضوعها
(كل شيء لم يجعل فيه التحريم)،
و هذا ينطبق على الماء و نحوه من الأشياء المباحة التي لم يجعل فيها التحريم، و لكن كل واحد من هذه الأمور مباح بعنوان أنّه لم يجعل فيه التحريم لا بعنوانه الأولي، وعليه: فإذا شككنا في التتن، فحينئذٍ استصحاب عدم جعل الحرمة يجري و لا يعارض باستصحاب عدم جعل الإباحة، لأنّ استصحاب عدم جعل الحرمة يكون أصلًا موضوعياً و حاكماً على استصحاب عدم جعل الإباحة، لأنّ الإباحة قد جعلت على موضوع
(كل ما لم يجعل عليه الحرمة)
فباستصحاب عدم جعل الحرمة ننقح موضوع الإباحة، فالشك في الإباحة يكون مسبباً عن الشك في جعل الحرمة، و إذا عولج السبب لا يجري الاستصحاب في المسبب.