بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠ - المقدمة الثانية نبيّن فيها تحليل مفهوم الأصل العملي الشرعي و حقيقته ثبوتاً،
مفاسد التحريم، إذاً، فيجعل خطاباً ظاهرياً لحفظ مصالح التسهيل، و ذلك بتوسعة دائرة إطلاق العنان بأيّ لسان شاء، و من جملة هذه الألسنة، (أصالة البراءة، رفع ما لا يعلمون)، و (كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه).
القسم الثاني: هو أنّ المولى يعالج التزاحم بتشخيص الأهم من ناحية نفس الاحتمال، بأن يقول: إنّ هذه شبهة، قامت أمارة ظنية و هي خبر الثقة على تعيين الحكم فيها، سواء كان الثقة أخبر بالوجوب، أو بعدمه، أو بالحرمة أو الإباحة، و لعلّه يوجد حكم في هذه الشبهة على خلاف ما أخبر به الثقة، فهنا: المولى يعمل الأهمية بلحاظ نفس الاحتمال، فيقدم مفاد خبر الثقة على مفاد غيره من الاحتمال الآخر، فلو فرضنا أنّ مفاد خبر الثقة كان الإباحة، فيقدمها على الحرمة، لا باعتبار أنّ ملاكات الإباحة أقوى، بل حتى لو فرض بخبر أنّهما متساويان، بل باعتبار أقوائية احتمال الإباحة، لكاشفية الإباحة بخبر الثقة، و هذا هو ملاك تشخيص الأهمية.
و من مصاديق هذا العلاج في القسم الثاني، (صدق العادل) يعني: رجّح احتمال (صدق العادل) على احتمال كذبه، و هنا المولى له أن يعبّر عن هذه الحقيقة بأيّ لسان شاء من الألسنة التي يفهمها العرف، من قبيل: (صدّق العادل)، أو (اعمل بما يقول العادل)، أو (جعلت خبر العادل علماً)، و نحو ذلك، فإنّ هذه كلّها ألفاظ و أساليب في التعبير عن جوهر واحد، و حقيقة واحدة، و هي أنّ الشارع قد عالج التزاحم الحفظي في الخطابات الواقعية بإعمال المرجّح الاحتمالي.
و حينئذٍ نقول: إنّ جوهر الأصول العملية هو، تلك الخطابات التي عولج بها التزاحم في القسم الأول.