بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٥ - الكلام في أدلة وجوب الاحتياط
الجواب الثاني عن الإشكال المشترك، و هو مبني على مسلكنا الذي شرحناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية، حيث بيّنا هناك أنّنا نرى وجود تعارض ثبوتي بين حكمين ظاهريين في رتبة واحدة و إن لم يصلا، بينما المشهور لم يروا ذلك، لأنّنا نختلف مع المشهور في حقيقة الأحكام الظاهرية، فالمشهور كانوا يرون أنّ حكمين واقعيين مختلفين لا يمكن أن يقعا و إن لم يصلا، و أمّا حكمان ظاهريان فلا بأس بأن يختلفا ما داما لم يصلا.
و نحن هناك في محله المذكور قلنا: إنّه لا فرق بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، وعليه: يكون الحكمان الظاهريان المختلفان متعارضين و إن لم يصلا، أو وصل أحدهما، فهنا في المقام عندنا حكمان: أحدهما البراءة، و الآخر، صدق العادل، و هما في مرتبة واحدة، يعني: لم يؤخذ في موضوع أحدهما الشك في الآخر، إذاً، فإجراء البراءة عن الواقع مع منجزية الواقع بأمارة خبر الثقة مثلًا في رتبة واحدة، و حينئذٍ حجية الأمارة واقعاً، و إن لم تصل مع ثبوت البراءة، و لو لم تصل عن ذلك الواقع لا يمكن اجتماعهما، وعليه: فمتى ما كان دليل الحجية منطبقاً على أحد طرفي العلم الإجمالي، سواء وصل أو لم يصل هذا الدليل، فإنّ البراءة لا تجري فيه، لأنّ هذه الخطابات ليست مجرد إنشاءات و اعتبارات خيالية، بل هي في مقام إبراز اهتمامات المولى بالأحكام الواقعية.
و من الواضح أنّ خطاب البراءة مع خطاب الأمارة بإثبات التكليف متعاكسان لا يمكن أن يجتمعا، و حينئذٍ لا تكون أصالة البراءة في الطرف الخالي من الأمارة معارضاً بأصالة البراءة الذي قامت عليه الأمارة، و حينئذٍ يتم المسلك الأول.