بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٣ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
حق في مرتبة الموضوع، لأنّ الظلم معناه: سلب الشخص حقه، و هذا الحق بنفسه من مدركات العقل العملي، إذاً، هذا الحق في الحقيقة أسبق رتبة من هذا الحكم، و ليس هذا الحكم إلّا تعبيراً انتزاعياً عن ذلك الحق، لأنّ المنعم له حق الشكر، و إلّا لو لا ذلك لم يكن ترك الشكر تجاوزاً و ظلماً.
إذاً، فمرجع البحث إلى أنّ حق المولى على العبد ما هو؟ و الذي يحدد في طوله الظلم، إذاً، فالبحث يجب أن ينتقل إلى مقدار الحق، و من هنا نعود إلى حيث بدأنا، إلى أنّ حق الطاعة ما هي حدوده؟
التقريب الرابع: هو ما ذكره الأصفهاني (قده) ( [١]) أيضاً مبنياً على مطلب له في باب الأحكام، فإنّه (قده) يقسم الحكم إلى حكم إنشائي، و آخر حقيقي و يقول: بأنّ الإنشائي هو الحكم الذي يحصل بالجعل و الإنشاء من دون أن يفرض كونه بداعي البعث و التحريك، بل كان بداعي الامتحان و الاختبار، بل حتى بداعي الاستهزاء، ثمّ إذا افترضنا أنّ هذا الإنشاء كان صادراً بداعي البعث و التحريك الحقيقي، يكون وجوباً حقيقياً لا إنشائياً.
و من الواضح أنّ كل خطاب و إنشاء لا يعقل أن يكون باعثاً و محركاً ما لم يصل، إذاً، لا يعقل أن يكون بداعي البعث و التحريك إلّا في حالة الوصول، و هذا معناه: أنّه في حالة عدم الوصول، أنّه لا وجوب حقيقي، لأنّ الوجوب الحقيقي عبارة عن الإيجاب و الإنشاء بداعي الباعثية و المحركية، إذاً، فيقبح العقاب، لا لأنّه يوجد وجوب
[١] الأصول على النهج الحديث: الأصفهاني، ص ٢٥ ٢٤.