بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦١ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
فمثلًا: البالغ من العطش إلى درجة كبرى، يكون احتمال وجود الماء في مكان محركاً له نحوه، و لا ينتظر وجود العلم له بذلك، بخلاف ما لو كان له رغبة في زيارة شخص مسافر أخبر بمجيئه، فإنّه لا يتحرك إلّا إذا قطع بمجيئه.
و أمّا القسم الثاني من التحريك، أي التحريك التشريعي، فهذا في الحقيقة مرجعه إلى حق الطاعة الذي تقدّم ذكره، لأنّه هو الذي يلزم الإنسان بقطع النظر عن هوى النفس.
و من الواضح أنّ حق الطاعة هو محل الكلام في المقام على ما ذكرناه سابقاً، من أنّ هذه المسألة ترجع في روحها إلى حق الطاعة، و هل إنّ حق الطاعة في خصوص التكاليف المعلومة، أو أنّه يشمل المشكوكة أيضاً؟ فإذا كان أعم فهذا معناه: أنّ المحرك المولوي يكون باحتمال التكاليف، وعليه: نقول للميرزا (قده): ما ذا تقصدون من أنّ هذا التحريك بلا موجب و معه فلا يكون مستحقاً للعقاب؟ هل تقصدون أنّ هذا التحريك بلا موجب تكويني؟ إن كان هذا ما تقصدون فهذا صحيح، لأنّ كل فاسق و فاجر لم يتحرك لعدم الموجب التكويني، إلّا أنّ هذا لا يعني معذوريته و عدم موجبيّته للعقاب.
و إن كان مقصودكم من عدم الموجب للتحريك هو عدم الموجب العقلي، فهذا أول الكلام، لأنّ هذا الكلام مرجعه إلى دعوى أنّ حق الطاعة غير ثابت في موارد احتمال التكليف، فإذا ادّعي هذا، يكون هذا نفس المدّعى، و هو مصادرة على المطلوب.
التقريب الثالث: هو ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده) في مقام تقريب قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث ذكر أنّ هذه القاعدة فرد من