بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١٥ - المقام الأول هو في أنّ الذي يجري في الشبهة الموضوعيّة، هل هو كلتا البراءتين الشرعيّة، و العقليّة،
أنّ ملاك جريانها في الحكميّة و الموضوعيّة إنّما هو ملاك واحد، و رغم هذا، فلا القائلون باختصاصها بالحكميّة يعترفون بشمولها للموضوعيّة، و لا القائلون بالشمول يعترفون بملاك القول بالاختصاص رغم كون الملاك في القولين بالقاعدة واحد.
و قد يؤيد هذا الاختلاف عدم بداهة كلا الملاكين أيضاً، و معه لا يصحّ إرسال بداهة القاعدة إرسال المسلمات.
و كيفما كان، فإنّ البيان الأول من البيانين السابقين صار جوابه واضحاً، فإنّ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) هي قاعدة عقليّة، و ليست نصاً شرعياً أخذ في موضوعه عدم البيان، كي يوجب علينا البحث في تفسير كلمة البيان و عدمه لغة و عرفاً، و أنّها هل تشمل الشبهات الموضوعية أو لا تشملها؟ إذ لا أثر لفهم المعنى اللغوي في المقام، و إنّما ينبغي أن يكون الكلام فيها في حدود كونها حكماً عقلياً.
و أمّا البيان الثاني: الذي ذكر فيه ثبوت ملاك البراءة في كلتا الشبهتين، الحكميّة و الموضوعيّة، و كان هذا الملاك عبارة عن (عدم المقتضي للتحريك)، الذي هو بعبارة أخرى: (عدم العلم) الذي هو ثابت في كلتا الشبهتين، الحكميّة و الموضوعيّة.
أقول: إن كان المراد من عدم المقتضي هو دعوى قبح العقاب بلا مقتض مولوي للتنجيز و التحريك، إذاً، فقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ترجع إلى القاعدة (قبح العقاب بلا مقتض مولوي للتحريك و التنجيز).
و هذا ممّا نسلم به كبروياً و نعترف ببداهته، فإنّ المقتضي المولوي للتحريك هو عبارة عن تنجز التكليف بحكم العقل، إذاً، ففي النتيجة يكون مرجع هذه القاعدة (قبح العقاب بلا تنجز