بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٨ - التنبيه الأول تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية
و أمّا بطلان البيان الثاني، الذي كان مفاده، أنّ حسن الاحتياط عقلًا لا يمكن أن يكون مستلزماً للاستحباب المولوي، حذراً من التسلسل.
فجوابه أولًا: هو أنّه لا نسلّم بمحذور التسلسل، لأنّ التسلسل المستحيل إنّما هو التسلسل في الأمور التكوينية، بينما لا يكون مستحيلًا في الأمور الاعتبارية، و من الواضح أنّ التسلسل اللازم في المقام إنّما هو تسلسل في الأمور الاعتبارية، فإنّ الأحكام التي يلزم تسلسلها إنّما هي أمور اعتبارية، و التسلسل فيها ليس مستحيلًا، أو غير لازم، لأنّه يمكن وقف هذا التسلسل في المقام عند ما يرفع المعتبر اعتباره، فإنّه حينئذٍ ينقطع التسلسل و يخرج عن كونه تسلسلًا.
و جوابه ثانياً: هو أنّه لو سلّم باستحالة التسلسل حتى في الأمور الاعتبارية، فيمكن مع هذا أن يقال: إنّنا لا نريد أن نثبت الاستحباب الشرعي هنا بواسطة الملازمة بين حسن الاحتياط العقلي و استحبابه الشرعي، كي يلزم محذور التسلسل، و إنّما استحباب الاحتياط نثبته بأدلة الاحتياط الخاصة من قبيل: (أخوك دينك، فاحتط لدينك)، و إنّما الكلام عن المحذور المانع عن ثبوت الاستحباب، و ليس الكلام في إثبات الاستحباب بقاعدة الملازمة، بل الكلام في نفي المانع، إذ لو كان المقصود التمسك بقاعدة الملازمة، فمن اللازم إذاً، أن يكون الاستحباب الشرعي للاحتياط على منوال الحسن العقلي للاحتياط، لفرض استكشاف هذا من ذاك، بينما من الواضح أنّ الاستحباب الشرعي للاحتياط ليس على منوال الحسن العقلي، إذ إنّ العقل لا يحكم بأنّ كل احتياط حسن، و إنّما يحكم بحسن الاحتياط فيما إذا أتى به بداع قربي خاصة، أو بداعي الانقياد، فترك مخالفة الواقع المشكوك يكون حسناً عقلًا، فيما إذا ترك مخالفته بداعي التقرب من