بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧٠ - التنبيه الأول تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية
على نحو الوجوب أو الاستحباب؟ فإنّ الإتيان به بقصد الأمر المعلوم تعلّقه بأصل مطلوبيته يكفي في وقوع هذا الفعل عبادياً و قربياً، و بذلك يتحقق الاحتياط في مثل هذه الشريحة العبادية.
الحالة الثانية: هي أنّا نشك في أصل مطلوبية الاستحباب و عدمها للشك في مبادئ ثبوته، و حينئذٍ يمكن أن يستشكل و يقال: بعدم إمكان الاحتياط، و ذلك لأنّه إن أتى بهذا الفعل الذي نشك في أصل مطلوبيته بلا قصد قربي، إذاً، فلا يصدق عليه حينئذٍ عنوان العبادة و لا عنوان الاحتياط، فإنّ الصلاة مثلًا، بلا قصد التقرب بها إلى المولى أشبه بالعمل اللغوي منها بالعبادة.
و إن أتى به بقصد القربة أو بقصد امتثال الأمر، فهذا غير ممكن أيضاً، لا قصد القربة و لا قصد امتثال الأمر، لأنّ قصد القربة أو امتثال الأمر يتوقف على وجود أمر جزمي بالعمل كي يقصد المكلّف امتثاله و التقرب به، و الحال أنّه لا يوجد أمر جزمي بالعمل، فإنّ المكلّف شاك أصلًا في بوجود هذا الأمر، فلو أتى بالفعل و الحالة هذه سواء بقصد القربة أو بقصد امتثال الأمر، فلا يقع هذا الفعل عبادة أولًا، لتحصل به موافقة التكليف الواقعي المشكوك، كما أنّه ارتكب المحرم، حيث نسب هذا الفعل إلى المولى، إذ إنّ نسبة أمر و إسناد ما لا يعلم أنّه من المولى إلى المولى تشريع محرم، حيث لا يفرق في حرمة التشريع بين التشريع القولي و التشريع الفعلي، بأن يسند قولًا إلى المولى، أو يسند فعلًا إليه كما لو عمل عملًا بقصد أنّه مأمور به من قبل المولى، رغم أنّه يشك في أصل مطلوبيته من قبل المولى.
و بهذا يتضح أنّه لا يمكن تحقق الاحتياط في بعض الموارد، كما هو الحال فيما إذا لم تكن أصل مطلوبية العمل معلومة.