بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٦٣ - المقام الثاني هو فيما إذا فرض عدم تكرر الواقعة مع فرض كون أحد الطرفين تعبدياً،
لو قيل: بالملازمة بين فعل أحد الضدين لترك الآخر، إذاً، و الحال هذه، لا بدّ من استقلال العقل بقبح هذا التحريك.
و جوابه: أنّ العقل لا يستقل إلّا بقبح مخالفة المطلوب النفسي للمولى الواصل إلى المكلف، و هنا في محل الكلام يوجد غرضان نفسيان محتملان للمولى، يدور أمره بينهما، أحدهما نقطع بسقوطه عن المكلف للعجز عنه، و الآخر، و إن لم نقطع بالعجز عنه، إلّا أنّه إذا نظرنا إليه وحده يكون حينئذ مشكوكاً بالشك البدوي، و حينئذٍ يجري التأمين بلحاظه.
و بهذا، يتضح أنّ إشكال البراءة في مورد دوران الأمر بين المحذورين عند ما يكون أحدهما تعبدياً، هو إشكال لا يمكن حلّه، لأنّه إن قيل: بأنّ الاضطرار في المقام يكون إلى أحد الفردين لا على نحو التعيين و معه يكون العلم الإجمالي منجزاً، فقد تقدم، أنّ البرهان العقلي على خلاف ذلك، و إن قلنا: بعدم التنجيز رأساً و جواز المخالفة القطعيّة، كان ذلك مستبعداً أصولياً رغم عدم الحجيّة لهذا الاستبعاد.
و لكن رغم أنّ هذا الإشكال لا يمكن التخلص منه أصولياً، إلّا أنّه يمكن التخلص منه فقهياً، و ذلك بدعوى التوسعة في دائرة القربة المعتبرة في العبادات في محل الكلام، حيث إنّه فقهياً لا إشكال في عدم اعتبار كون داعي القربة هو المحرك الفعلي للمكلف نحو العبادة، و إنّما تكفي صلاحيته الفعليّة للمحركية، فإنّه في المقام يوجد داعيان: أحدهما، احتمال الوجوب الداعي إلى الفعل، و الآخر، احتمال الحرمة الداعي إلى الترك، بحيث كان كل منهما في نفسه علّة تامّة لتحريك المكلف نحو الفعل، غايته أنّه ابتلي بالمزاحمة من الداعي