بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦١ - الاستدلال بالكتاب على الاحتياط
حيث قد يقتضي التهلكة، و كل هذا في مقام التأكيد على طلب ذلك الفعل، فكأنّه شيء واحد، يلبس تارة صيغة الإيجاب، فيكون أمراً بذلك الفعل، و يلبس أخرى صيغة السلب، فيكون نهياً عن المقابل، و هذا نظير قوله: (وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا)، فيكون المقصود أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله إلقاء للنفس في الهلكة، و هذا مضمون جملة من الروايات التي أكّدت أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله يؤدّي إلى الهلاك، و لذا ورد: (حصنوا أموالكم بالزكاة)، و هذا واضح أنّه ناظر إلى هلاك المال لا المالك، و كون هذه الخطابات متوجهة إلى النوع و الطبيعي لا الأفراد، لا ينافي في أن لا يهلك هذا الفرد أو عقبه و أولاده.
و مع وجود هذه الاحتمالات، لا يمكن الاستدلال بالآية على المطلوب.
الإيراد الثاني على الاستدلال بالآية: هو أنّه سلّمنا استظهار الاحتمال الأول، فمثل هذا النهي يستحيل أن يكون نهياً مولوياً منجزاً للتكليف، لأنّه نهي عمّا فرض أنّه هلكة في المرتبة السابقة، فإن فرض أنّ التكليف كان منجزاً في المرتبة السابقة على هذا النهي، إذاً، ليس النهي إلّا إرشاداً و تحذيراً عن دخول نار الهلكة، و إن فرض أنّه لا احتمال للعقاب، لوجود مؤمّن مولوي من براءة شرعية و نحوها، إذاً، فلا موضوع للنهي عن الإلقاء في التهلكة، إذاً، فيستحيل استفادة التنجيز و العقاب و الهلكة من هذا النهي، لأنّه أخذ في موضوعه الهلكة.
و من جملة الآيات التي استدل بها على إيجاب الاحتياط، قوله تعالى: (وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) ( [١]).
[١] سورة الحج، الآية: ٧٨.