بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٨ - الاستدلال بالكتاب على الاحتياط
يقال: إنّ هذا النهي (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) خطاب مستقل، لا ربط له بما قبله، و لا ما بعده.
الاحتمال الثاني: هو أنّ هذا النهي في قوله تعالى:- (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) نهي شرطي بالنسبة إلى الأمر الذي قبله، و هو قوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ( [١])، فإنّ هذا الأمر توجه عليه نهي شرطي يحدد دائرته، من قبيل أن يقال: صلّ و لا تلبس ثوباً نجساً، فهذا النهي يحدد أنّ الأمر بالصلاة مشروط بأن لا يكون بالثوب النجس، و ليس هذا النهي نهياً مستقلًا.
و هذا المطلب عرفي، كما أنّ سياقه عرفي أيضاً، فيكون معنى الآية: هو أن لا يكون الإنفاق، بحيث يوجب هلاك الإنسان و توقفه عن مواصلة معيشته و حياته بالنحو المناسب، و أنّه لا بدّ أن يكون إنفاقاً وسطاً، و إلى هذا أشير في قوله تعالى: (وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ( [٢])، و أيضاً ما أشير إليه في قوله تعالى: (وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) ( [٣])، أي ينفقون ما زاد على حاجتهم، باعتبار ظروف المجتمع يومئذ.
و بناء على هذا الاحتمال: تكون الآية الكريمة أجنبية عن باب الهلكة الذي يتبادر إلى الذهن، و إلى المعنى الذي ذكرنا، من أنّ المقصود من الإنفاق أن يكون بحد وسط، بحيث لا يجعل الإنسان بعوز و حاجة، و لعلّه يشير إلى هذا قوله تعالى: (وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ( [٤])، فإنّ الإحسان بالإنفاق يكون بالإعطاء بنحو متوسط.
[١] سورة البقرة، الآية: ١٩٥
[٢] سورة الإسراء، الآية: ٢٩
[٣] سورة البقرة، الآية: ٢١٩
[٤] آخر نفس الآية.