بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٤ - الاستدلال على البراءة بالسنة
و ذلك بأن يكون لدينا علم بأنّ هذه المادة ورد عليها النهي في زمان و هي متصفة بالإباحة، و أيضاً نعلم بورود إباحة و لكن لا نعلم بأنّ هذه الإباحة التي نعلم بورودها، هل هي نفس تلك الإباحة، أو غيرها، فمثلًا: نعلم بصدور نهي عن (فعل) في السنة السابعة للهجرة، و نعلم أنّه كان مباحاً في أيام غزوة خيبر، و لكن لا نعلم هل إنّ غزوة خيبر كانت قبل السنة السابعة، فتكون الإباحة المعلومة قبل النهي؟، أو أنّ غزوة خيبر كانت بعد السنة السابعة للهجرة، فتكون هذه الإباحة ناسخة للنهي؟، إذاً، هنا يكون الأمر من باب توارد الحالتين، و يكون استصحاب عدم النهي معارضاً باستصحاب بقاء النهي، إذاً، تصوير حالة توارد الحالتين لا يتوقف على أن نجزم بأنّ إحدى الإباحتين مغايرة للأخرى، بل يكفي العلم بها في زمان، مع التردد في أنّها نفس الإباحة الأولى أو الثانية أو غيرها؟
و أمّا ثانياً: فلو فرضنا أنّنا نعلم أنّ الإباحة الثانية غير الإباحة الأولى، و مع هذا نحتمل وجودها معها، و هنا لا محذور في اجتماعهما، لأنّ الإباحة الأولى إباحة واقعية ناشئة من الملاكات الواقعية، بينما الإباحة الثانية إباحة شبه ظاهرية، أو قل: نصف ظاهرية، مجعولة بحديث: (كل شيء مطلق)، فهي إباحة في مقام تحديد موقف المكلّف خارجاً، حيث لا يوجد خطاب من الشارع و خصوصاً بعد ما عرفت، أنّه لا محذور في اجتماع الإباحة الظاهرية مع الحرمة الواقعية، فهنا أيضاً لا محذور في اجتماع الإباحة الظاهرية مع الإباحة الواقعية.
ثمّ إنّ هنا كلاماً ثالثاً لصاحب الكفاية (قده) ( [١])، بعد أن اقترح تتميم
[١] الكفاية: الخراساني، ج ٢، ص ١٧٩ ١٧٧.