بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٠ - الاستدلال بالكتاب على الاحتياط
مولوياً، و إنّما هو نهي إرشادي و تحذير من دخول نار جهنم، و هذا ليس حكماً مولوياً وراء تلك الأحكام التي استحق بها دخول نار جهنم، و إن فرض في المرتبة السابقة على هذا الحكم أنّه لا احتمال لهذه الهلكة، باعتبار البراءة العقلية أو الشرعية المساوقة لها، فيستحيل أن يكون هذا النهي لإنشاء التكليف في العهدة، لأنّه أخذ في موضوعه الهلكة.
و الحاصل: هو أنّه أورد على الاستدلال بآية (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) على وجوب الاحتياط بإيرادين.
الإيراد الأول: هو أنّ قوله تعالى فيه ثلاثة احتمالات:
أولها: ما بني الاستدلال عليه، و هو أن يكون هذا خطاباً مستقلًا لا ربط له بما قبله و لا بما بعده.
ثانيها: هو أن تكون فقرة الاستدلال نهياً شرطياً بالنسبة إلى الأمر بالإنفاق الذي ورد قبلها، فيكون تحديداً لمقدار الإنفاق، بمعنى: أنّه لا ينبغي أن يكون الإنفاق بدرجة توجب فقر الإنسان و حاجته للغير و التعرض للهلاك، فيكون من قبيل قوله تعالى:
(وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)
و يشعر به قوله تعالى
: (وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)،
أي ما زاد عن الحاجة، و ورود مثل هذا النهي الإرشادي هو أمر طبيعي بعد أن بلغ الإيمان بالمسلمين درجة تصدّقوا فيها بكل ما يملكون، و لعلّ هذه الحالة اقتضت أن يعبّر الله تعالى في آخر الآية بقوله: (وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، أي اعدلوا في إنفاقكم و توسطوا، و هذا احتمال قريب يساعد عليه الوجدان.
ثالثها: هو أن تكون فقرة الاستدلال تكراراً سلبياً للفقرة الأولى من الآية: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، و هذا سياق عرفي رائج، فالمولى يأمر بالإنفاق، و ينهى عمّا يكون مقابلًا لذلك الفعل و من شئون تركه،