بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٤ - الاستدلال على البراءة بالاستصحاب
متيقناً لعدم وجود النار، ثمّ شك في بقاء عدم الحرارة مع فرض وجود النار، لاحتمال وجود رطوبة مانعة عن تأثير النار، فهنا العدم المشكوك هو عين العدم المتيقن، و اختلاف الحيثية التعليلية للعدم، و أنّ العدم المتيقن حدوثاً مستند إلى عدم المقتضي، و المشكوك بقاء لو كان لكان مستنداً إلى وجود المانع كل ذلك لا يوجب تكثيراً في نفس العدم، فالعدم واحد مستقر، و معه تتم أركان الاستصحاب، في عدم الحرمة، إذاً، فلا مانع متن جريانه.
الاعتراض الرابع: و هو الاعتراض الثاني على الصيغة الأولى، و هو أن يقال: إنّ الاستصحاب إنّما يجري مع حفظ الموضوع و بقائه، و في المقام، الموضوع ليس باقياً، بل هو متغير، لأنّ حيثية (الصغر و الصبا) مقومة لموضوع الإباحة الأولى، و هذه الحيثية ارتفعت في المقام، فلو كان في المقام إباحة أخرى ثابتة على البالغ، فهي جديدة و ليست بقاء لتلك الإباحة.
و جوابنا على هذا الاعتراض: هو أنّنا لا نريد من اشتراط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب إلّا صدق (إبقاء ما كان، و رفع ما كان)، بأن يصدق على مورد التعبد بالاستصحاب عنوان (الإبقاء)، و يصدق على نقيضه عنوان (الرفع)، لأنّ جريان الاستصحاب إنّما هو بلسان إبقاء الحالة السابقة، و من الواضح أنّ الصبي بعد البلوغ كان محكوماً بالإباحة، و الآن بعد بلوغه، يشك في أنّه ما زال محكوماً بتلك الإباحة، أو أنّها ارتفعت؟ إذاً، فالإباحة لوحظت منصبة على مصب واحد، و هو البالغ، و لذلك كان الشكك في بقائها و ارتفاعها.
و هذا الكلام عرفي، و عرفيته برهان على صحة جريان الاستصحاب في مورده، و على صدق عنوان الشك في البقاء.