بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣ - المقدمة الرابعة في بيان الفرق بين قسمي الأصول العملية الشرعية،
و حاكماً على أصالة البراءة، أو الإباحة سواء كان دليلهما تنزيلياً بلحاظ العناية الأولى أو لم يكن، لأنّه حتى مع إعمال العناية الأولى في أصالة الإباحة أو البراءة، فإنّ هذا الأصل مع ذلك لا يكون حاكماً و رافعاً لموضوع الاستصحاب، لأنّه لا يرفع الشك و لا يحقق اليقين بالانتقاض الذي جعل غاية لجريان الاستصحاب: (لا تنقض اليقين بالشك و لكن انقضه بيقين مثله).
و هذا التطبيق صحيح بناء على تمامية مبناه، بناء على الفراغ عن أنّ الحكومة حتى في صورة اليقين التعبدي بثبوت مقام القطع الموضوعي.
التطبيق الثاني: هو أنّه قد يتخيل أنّ الأصل إذا كانت تنزيلياً بالعناية الثانية لا يكون دليل الأمارة حاكماً عليه، و ذلك لأنّ الأمارة، امتيازها الذي جعل لها الحاكمية على الأصل، أنّها علم تعبدي يرتفع به موضوع دليل الأصل، فإذا فرضنا أنّ الأصل أصبح علماً تعبداً، فيرفع بذلك موضوع الأمارة، فحينئذٍ لا ميزة لدليل الأمارة على دليل الأصل، و لا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، و لعلّ هذا هو الذي دفع الميرزا (قده) إلى التمييز بين اليقين التعبدي المجعول في باب الأمارة، و المجعول في باب الأصول التنزيلية، فقال: (ما كان في باب الأمارة، و المجعول في باب الأصول التنزيلية، فقال: (ما كان في باب الأمارة، فإنّ مجعول بلحاظ الكاشفية و الطريقية، بخلافه في باب الأصل، فإنّه مجعول بلحاظ البناء و الجري العملي).
و هذه التفرقة تظهر ثمرتها هنا، لأنّها تستوجب تقديم الأمارة على الأصل التنزيلي و لا عكس، لأنّ الأمارة جعل فيها اليقين بلحاظ الكاشفية و الطريقية بخلافه في الأصل، إذاً، فيرتفع بالأمارة موضوع الأصل تعبداً، و لا يرتفع موضوع الأمارة بالأصل، و بمثل هذا التمييز يمكن أن ندفع هذا الإشكال.