بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٥ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
يكون غير مقدور، و على أيّ حال، فهذا طرز آخر من التفكير غير الطرز الذي تستبطنه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ لا يراد بها أنّ التكليف غير مقدور، بل يراد بها أنّ التكليف غير منجز، و لا يستحق العقاب على تركه و إن كان التكليف ثابتاً في الواقع.
و أمّا المحقق، فقد استدل على البراءة بتقريبين:
التقريب الأول: هو أنّه استدل بالاستصحاب، حيث قال: في موارد الشك، الأصل براءة الذمة من التكليف المشكوك.
و هذا التقريب قد أرجع فيه البراءة إلى الاستصحاب.
و من الواضح أنّ الاستصحاب مغاير لقاعدة قبح العقاب بلا بيان نكتة و بياناً.
التقريب الثاني: و يتألف من دعويين.
الدعوى الأولى: هي أنّ التكليف بشيء مع عدم نصب دليل عليه قبيح.
الدعوى الثانية: هي أنّنا نستكشف من عدم وجدان الدليل عدم الدليل، فيتعيّن بعد الفحص أنّ هذا لم نجد عليه دليلًا، و حينئذٍ يكون التكليف به مع عدم نصب الدليل عليه قبيحاً.
إذاً، يفهم من كلامه أنّه لو نصب المولى دليلًا و إن لم يصل إلينا فلا قبح فيه.
و هذا غير ما يراه أصحاب القاعدة، فإنّهم يرون أنّ القبح على عدم البيان، سواء كان هناك بيان و لم يصل، أو لم يكن هناك بيان أصلًا.