بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٤ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
قد يستشم منهما العكس من خلال مسألة كانت مطروحة في علم الأصول، إلّا أنّها حذفت فيما بعد و هي: أنّ الأصل في الأشياء هل هو الحظر أو الإباحة؟
و يراد من ذلك: أنّ العقل إذا لم يستقل بحسن شيء و لابديّته، كشكر المنعم، و أداء الأمانة، أو بقبح شيء، كالخيانة و الظلم، فهل يحكم بالحظر أو الإباحة؟
و ذهب الشيخ الطوسي (قده) في العدّة إلى أنّ الأصل هو الحظر كما نقل ذلك عن المفيد (قده)، و ذلك لأنّ الإقدام على ما لا يؤمن معه المفسدة قبيح، فهذا القبح كان بالعنوان الثانوي لا بالعنوان الأولي، باعتبار الإقدام على ما لا يؤمن معه المفسدة، لا أنّ العقل استقل بقبح المشكوك من دون لحاظ هذا الإقدام.
و هذا الطرز من البيان لا يستشم منه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل قد يستشم منه المنع عن القول بهذه القاعدة.
و بعد زمن الشيخ الطوسي (قده) بقرن من الزمن، ذكر السيد ابن زهرة (قده) البراءة، و ظاهر حاله الاستدلال بالبراءة العقلية، و لكن لم يكن يقصد بحسب ما هو الظاهر من كلامه البراءة التي صاغتها مدرسة الوحيد البهبهاني (قده)،- قاعدة قبح العقاب بلا بيان بل كان يعبّر بقبح التكليف بغير بيان، لأنّه تكليف بغير المقدور، وعليه: فنكتة البراءة العقلية المترسّخة في ذهن السيد ابن زهرة غير النكتة التي تستبطنها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و من هنا، تحيّر الأشخاص المدققون من أمثال الشيخ الأعظم (قده) في الرسائل، حيث قال: كيف يقال: بأنّه تكليف بغير المقدور مع أنّ باب الاحتياط واسع؟ و لهذا أُوِّل كلامه، بأن امتثال المشكوك على نحو الامتثال التفصيلي