بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٩ - استدلال بالكتاب على البراءة الشرعية
الاحتمال الأول: هو أن يكون الإضلال بمعنى: أنّه سيجعلهم ضالين.
الاحتمال الثاني: هو إيجاد للضلال، و لكن لا بمعنى: إيجاد الضلال حقيقة، بل بمعنى: إيجاد نوع من العقاب، كالخذلان و الترك، و لهذا سمّي السبب باسم مسببه، فإنّ الله قد يعاقب بالخذلان و الإعراض الذي يؤدّي إلى الضلال، و لا يكون ذلك قبيحاً منه، لأنّه عقاب على معصية سابقة، و على كل، فقد أنيط هذا في أن يبين لهم، و ظاهر ذلك أن يصل إليهم، لأنّ مجرد إصدار البيان لا يكون بياناً لهم، بقرينة قوله تعالى: (لهم) في قوله تعالى: (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ) و هذا هو معنى البراءة.
و الظاهر أنّ الاستدلال بهذه الآية تام، لأنّ الله لا يعاقب و ليس من شأنه أن يعاقب، فإنّ سياق هذه الآية مثل سياق قوله تعالى: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
ثمّ إنّه لو تمّت دلالة الآية على المطلوب، فهل تكون دلالتها هذه حاكمة على دليل وجوب الاحتياط لو قام دليل على وجوب الاحتياط؟ أو أنّها تدل على مجرد البراءة و أنّه لا بيان، بحيث لو تم دليل على وجوب الاحتياط حينئذٍ لكان حاكماً عليها و رافعاً لموضوعها؟
و بيان ذلك موقوف على ما يستفاد من قوله تعالى: (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ)، فهل يراد ما يتقون بالعنوان الأولي، أو بالعنوان الثانوي؟
فإن كان الأول، فمن الواضح أنّ ما يتقى أولًا و بالذات إنّما هو التكليف الواقعي، و إن كان الثاني، كان أعم من الواقعي و الظاهري،