بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٧ - استدلال بالكتاب على البراءة الشرعية
أقام من قبله الحجة، فإذا أقامها، و لعارض خارجي لم تصل إلى المكلف، لا يمكن التعدّي من الآية إلى هذا المورد الخاص، فلا يستفاد من الآية إناطة العقاب بالوصول الخارجي، بل يستنتج منها إناطة العقاب بإقامة البيان بالنحو المناسب من المولى، و هذا لا يفيدنا في محل الكلام.
نعم، هذا يفيد فيم لو أحرزنا بأنّ المولى لم ينصب بياناً، و أمّا لو احتملنا أنّه نصب بياناً، فمثل هذا لا يكون مشمولًا لهذه الآية.
و من جملة الآيات التي استدل بها على البراءة الشرعية قوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ( [١]).
إنّ الله تعالى علّم نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بهذه الآية طريقة المحاجة مع أهل الكتاب الذين كانوا يحرمون أشياء كثيرة من دون أن ينزل هدى و سلطان بذلك، فهذه الآية تقول: حاججهم بهذا اللسان، و هو أنّ عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود، و أنّ عدم الوجدان يكفي في التخلّص مما تدّعون من المحرمات في المقام، فكلّ ما لم يوجد دليل على تحريمه لا يحكم عليه بالحرمة.
و هذا الاستدلال غير تام، و ذلك؛ أمّا أولًا: فلأنّ عدم الوجدان من قبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يكون دليلًا قطعياً على عدم الوجود، و بالتالي على عدم التحريم واقعاً، لا أنّه أصل عملي، فكيف يمكن أن يقاس على ذلك عدم الوجدان في حق فقيه، إذ الآية ليست في مقام جعل حكم
[١] سورة الأنعام، آية: ١٤٥.