بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٦ - استدلال بالكتاب على البراءة الشرعية
ناظرة إلى العقاب الدنيوي و إلى سيرة الله سبحانه في الأمم الخالية، و أنّه تعالى لم يكن ينزل عقابه على أمّة من الأمم إلا بعد أن يرسل إليهم رسولًا، و يقيم عليهم الحجة، بينما نحن كلامنا في العقاب الأخروي، و حينئذٍ يكون مفاد الآية أجنبياً عن المطلوب.
و أجيب عن هذا الاستشكال: بأنّه في غير محله، لأنّه مضافاً إلى أنّه لا يوجد في الآية الكريمة ما يوجب كون النظر فيها إلى خصوص العقاب الدنيوي إلّا مجيء العبارة بصيغة الفعل الماضي، إلّا أنّ مجيئها كذلك كان لأجل حفظ ذلك المدلول السياقي، فلا قرينة فيها لاختصاص العذاب بالدنيوي، بل إنّ سياقها ينسجم مع العقاب الأخروي، حيث وردت في سياق قوله تعالى: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ( [١]*)، مع أنّه في الحياة الدنيا قد يؤدّي وزر شخص إلى وزر شخص آخر كما في أكل ما اليتيم، فإنّه يؤثر على ذريّة الآكل.
نقول: إنّ النكتة واحدة في أنّه تعالى لا يعاقب العقاب الدنيوي أو العقاب الأخروي من دون بيان، لأنّ العرف لا يفرق بين العقابين من هذه الناحية.
ثمّ إنّه لو تمّ الاستدلال بهذه الآية، فمن الواضح أنّها إنّما تدل على أنّ العقاب منوط بتتميم البيان من قبل الشارع، لأنّ الرسول هنا بعد إلغاء الخصوصية كأنّه صار تعبيراً عن إقامة المولى للحجية من قبله، سواء كان برسول أو بإمام أو براوٍ من الرواة مثلًا.
و أمّا الوصول إلى المكلّف فإنّ لا يمكن أن يستفاد و يستنتج من هذه العبارة، بل غاية ما يستنتج منها، أنّ المولى لا يعذّب إلّا إذا
[١] سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.