بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨ - المقدمة الثانية نبيّن فيها تحليل مفهوم الأصل العملي الشرعي و حقيقته ثبوتاً،
بالتزاحم الحفظي، و هو ليس من قبيل التزاحم في عالم الامتثال كالتزاحم بين (صلّ و أزل)، لأنه لا يوجد بين الأحكام الواقعية ليزاحم فيها في عالم الامتثال، لوضوح أنّه لو كانت الأحكام الواقعية جميعها واصلة إلينا لأمكن امتثالها جميعاً امتثالًا تفصيلياً بلا مئونة، و مع الاشتباه يمكن الاحتياط و امتثالها امتثالًا إجمالياً، إلّا نادراً في موارد، من قبيل دوران الأمر بين المحذورين.
إذاً، هذا التزاحم الحفظي إنّما هو في تزاحم عالم حفظ الخطاب الواقعي نفسه، فإنّ الخطاب الواقعي بعد ابتلائه بعدم الوصول إلى المكلّف، و تردد أمر الشبهة بين أن تكون داخلة تحت الخطابات الإلزامية مثلًا، أو تحت الخطابات الترخيصية، و فرضنا أنّ هذه الأخيرة ناشئة من مصلحة و غرض في إطلاق العنان، يعني: أنّها إباحة اقتضائية ناشئة من المقتضي للإلزام، لا من عدم المقتضي، حينئذٍ في مثل هذه الحالة يقع في نفس المولى تزاحم بين التكاليف الإلزامية، و الخطابات الترخيصية بلحاظ هذه الشبهة، إذ لعلّ هذه الشبهة داخلة في باب الإلزاميات، و لعلّها داخلة في باب الترخيصيات و الإباحات الواقعية، فحينئذٍ، التكاليف الإلزامية الواقعية تستدعي من المولى التحفظ عليها و على احتمال أن تكون الشبهة فيها، و ذلك بتوسعة دائرة الطلب و إيجاب الاحتياط.
كما أنّ الخطابات الترخيصية الواقعية التي هي تنشأ من إباحة اقتضائية، تقتضي توسعة دائرة إطلاق العنان لهذه الشبهة، لاحتمال من موارد اقتضت المصلحة فيها إطلاق العنان للمكلف، إذاً فهذا تزاحم مربوط بالمولى لا بالعبد في مقام الامتثال، و هنا في حالة تحيّر المولى في أنّه هل يوسع دائرة الإلزاميات فيلزم بالشبهات تحفظاً على أغراضه الإلزامية، أو أنّه يوسع في دائرة إطلاق