بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧ - المقدمة الرابعة في بيان الفرق بين قسمي الأصول العملية الشرعية،
الواقعية، و الحلية الواقعية، كما في قوله: (الناس في سعة ما لم يعلموا)، بناء على وجود رواية من هذا القبيل، فإنّ مفاد هذا الكلام إنشاء السعة خارجاً و ظاهراً، من دون استبطان ذلك تعبداً بالإباحة الواقعية، فهذا أصل عملي بحت و صرف، و ليس بتنزيلي.
و تارة أخرى يجعل أصالة الإباحة، و لكن بلسان التعبد بالحلية الواقعية، و ذلك بأن يقول: (أ تعبدك بأنّ كل شيء لا تعرف حرمته فهو حلال واقعاً)، فيكون مفاد أصالة الحل التعبد بالحلية الواقعية لا جعل الحلية الواقعية، فإنّ هذا خلف بوجه من الوجوه، و هذه عناية إضافية يعتبر الأصل بلحاظها أصلًا تنزيلياً، لاشتماله على تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع، أو أنّه أصل محرز كأنّه أثبت لنا الواقع بتلك العناية التنزيلية.
و قد يتبادر إلى الذهن فيقال: إنّ هذا الاختلاف لا أثر عملي له، لأنّ المقصود من الأصل العملي، (أصالة الإباحة) مثلًا، المعذريّة و إطلاق العنان، و المعذرية تترتب على كل من اللسانين بلا فرق فيما بينهما، سواء قال: (الناس في سعة ما لم يعلموا)، أو قال: (كل شيء لا تعلم حرمته فهو حلال)، فأيّ فرق أو أثر للفرق بين هذين اللسانين؟
و يجاب: بأنّه قد يقع آثار للفرق ما بين هذين اللسانين في الفقه، و ذلك لأنّ الأصل الذي بذلت فيه هذه العناية، و إن كان يشاركه غيره في هذه العناية، و لكن تمييز هذا عن غيره، في أنّه يمكن أن نتعبّد و نثبت به آثار الإباحة الواقعية الأخرى فيما لو فرض أنّها كانت موضوعاً لأثر شرعي، حينئذٍ بالأصل التنزيلي يمكن أن نثبت ذلك الأثر الشرعي، بينما بأصل الإباحة غير التنزيلي لا يمكن أن نثبت ذلك الأثر الشرعي الذي جعل على أصل الإباحة غير التنزيلي.
و نوضّح ذلك بمثال من الأمثلة و هو: أنّه دلّ الدليل في الفقه