بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤٧ - الاستدلال على البراءة بالسنة
معها أن يقي نفسه منه، فحينئذٍ لا إشكال في عدم جواز ضرب زيد، و إلّا فلو كان بدرجة يجب أن يقي نفسه منه، فحينئذٍ يقع التزاحم بين حرمة ضرب زيد و بين وجوب وقاء نفسه، فتعمل قواعد باب التزاحم، هل كلّه باستثناء صورة ما لو بلغ الإكراه إلى حد الدم، بأن قال له:
(إن لم تقتل زيداً أقتلك)،
فإنّه حينئذٍ لا يجوز له قتل زيد للنص الخاص، و لا تقية في الدماء، و كلا هذين الأمرين صحيح.
و قد ذكر العراقي (قده) أمراً ثالثاً: هو ( [١])، أنّه لو لا كون الحديث مسوقاً مساق الامتنان، لكان شاملًا بإطلاقه لموارد الاضطرار الناشئ حتّى و لو بسوء الاختيار، لأنّه بالأخرى هو اضطرار، و لكن باعتبار مزية الامتنان لا يبقى للحديث إطلاق لهذه الصورة و لأنّ هذا الإنسان المضطر بسوء اختياره ليس على خلاف الامتنان تسجيل الحكم عليه، لأنّه كان بإمكانه أن لا يوقع نفسه في ورطة الاضطرار، بخلاف ذاك المضطر لا بسوء الاختيار، فإنّه من كمال التلطف به و الامتنان عليه رفع الاضطرار عنه، إذ لا مناص لديه.
نقول: إنّ هذا الكلام لا يخلو من غموض، و ذلك لأنّه ما المراد من أنّ مزية الامتنان توجب عدم الشمول لموارد الاضطرار بسوء الاختيار، و هل المراد من ذلك أنّ رفع المئونة و الحمل عنه ليس فيه امتنان عليه؟
إن كان هذا هو المراد، فهذا خلاف الواقع، إذ لا إشكال في أنّ رفع المئونة و الحمل عنه فيه امتنان، حتى إنّ العاصي، هناك امتنان عليه في العفو و المغفرة، فكما أنّ الشارع يمنّ على العاصي بالعفو
[١] نهاية الأفكار: العراقي، ج ٣، ص ٢١٢.