بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤٤ - الاستدلال بأخبار أخرى
(جاء رجل يلبّي حتى دخل المسجد و هو يلبّي وعليه قميصه، فوثب إليه ناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شق قميصك و أخرجه من رجليك، فإنّ عليك بدنة، و عليك الحج من قابل، و حجّك فاسد، فطلع أبو عبد الله (عليه السّلام) على باب المسجد، فكبّر و استقبل القبلة، فدنا الرجل من أبي عبد الله (عليه السّلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال له أبو عبد الله (عليه السّلام): ما تقول؟ قال:
كنت رجلًا أعمل بيدي، و اجتمعت لي نفقة، فحيث أحج لم أسأل أحداً عن شيء، و أفتوني هؤلاء أن أشق قميصي و أنزعه من رجلي، و أن حجي فاسد، و أن عليّ بدنة)،
فقال له الإمام (عليه السّلام):
(متى لبست قميصك، أبعد ما لبّيت أم قبل)؟
قال الرجل: قبل أن ألبّي، قال الإمام (عليه السّلام):
(فأخرجه من رأسك، فإنّه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحج من قابل، أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً، و صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السّلام) و اسع بين الصفا و المروة، و قصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهل الحج، و اصنع كما يصنع الناس).
و من الواضح أنّ عنوان الجهالة يصدق على الجهالة في مرحلة التصور المساوق للغفلة، و على الجهالة في مرحلة التصديق المساوق للشك و التردد، فإطلاق الحديث لموارد الجهالة التصديقية معناه: نفي التبعية عنها، و من أظهر مصاديق التبعية المؤاخذة و العقاب، فقوله (عليه السّلام): (لا شيء عليه)، يعني: لا عقاب عليه، غاية الأمر أنّه، يخرج من ذلك الجهل عن تقصير في الشبهات الحكمية، من باب أنّه ترك للفحص مع أنّه واجب فيها، فهذا لا بأس أن يقال: إنّه خارج تخصيصاً بلحاظ المؤاخذة، لما دلّ من الروايات على أنّ الجاهل المقصر التارك للفحص يعاقب، و أمّا غير المقصر فيبقى تحت إطلاق النفي في قوله (عليه السّلام): (لا شيء عليه)، كما أنّ المقصّر يبقى تحت هذا