بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤ - المقدمة الأولى في بيان منهجية الاستنباط في الفقه الإمامي، و أدوار تطورها
أصل عملي بحسب فهمنا اليوم، بل يلاحظ من كلمات بعضهم أنّ البراءة ألحقت بالاستصحاب، باعتبار أنّ الحالة الأصلية للإنسان هي براءة الذمة، لذا أرجعوها إلى الاستصحاب حيث استصحبوا حالته الأصلية و سمّوا ذلك دليلًا عقلياً قطعياً، بينما لا قطعية فيها بوجه و لا تكشف عن الواقع لا وجدانياً و لا ظنياً، إذاً فلا بدّ و أن يكون مقصودهم من القطعية أنّها قاعدة مفرغة للذمة، و مخرجة عن العهدة.
فالأصول العملية بقيت تدرج في الأدلة العقلية و تصنّف في الدليل العقلي.
و في كلمات المحقق و الشهيد الأول (قده) في الدروس و جملة من كلمات علمائنا صيغت البراءة صياغة تناسباً و استيحاء من هذه المنهجة، أرادوا أن يجعلوها دليلًا حسابياً قطعياً ليتطابق المدّعى مع الواقع، فتراهم يقولون: التكليف بالمجهول غير معقول، لأنّه تكليف بما لا يطاق، و يقولون: عدم الدليل على شيء، دليل على العدم، لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهم السّلام) بلغوا الأحكام فيما لم يوجد فيه دليل، فعدم الدليل دليل على العدم، فقد جعلوا هذا صياغة البراءة.
و من الواضح أنّ هذا كان لأجل أن يجعل في البراءة روح الدليل لإثبات الحكم الواقعي، و هو بعيد عن فكرة الأصل العملي الذي نعرفه اليوم.
ثمّ بعد ذلك، جرت المسامحة في العمل بالأمارات الظنية، و صار الاعتراف بالتدريج في أنّه لا بدّ من التعويل عليها، و أنّ خبر الثقة أمارة ظنية، و لكن لا بدّ و أن يكون حجة، و كذلك الظواهر، و حينئذٍ انفتح باب الاعتراف في أنّ الأمارات التي بيد علماء الإمامية ليست قطعية في كثير من الحالات، غاية الأمر أنّه ظن قام الدليل على