بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢ - المقدمة الثالثة في التمييز بين الأصول العملية العقلية و بين مجموع الشرعيات من أصول عملية و أمارات
الاستصحاب هو الطريقية كالمجعول في باب الأمارة، و حينئذٍ، لما ذا يكون دليل الأمارة حاكماً على دليل الاستصحاب، و لم يكن دليل الاستصحاب حاكماً على دليل الأمارة، مع أنّ كلًا منهما كان المجعول فيه هو الطريقية، و كل منهما صالح لأن يرفع الشك من موضوع الآخر؟
حينئذٍ، هنا يمكن إبراز هذا الوجه بأن يقال: إنّ دليل حجية الاستصحاب أخذ في موضوعه الشك بحسب مقام الإثبات و عدم العلم، فيكون دليل حجية الأمارة باعتباره يجعل الأمارة علماً رافعاً لموضوع دليل الاستصحاب و لا عكس، لأنّ دليل (صدّق العادل) لم يؤخذ في موضوعه الشك إثباتاً، فلا يكون دليل الأصل رافعاً لموضوع دليل الأمارة.
نعم، العقل يحكم لا محالة، بأنّ دليل الأمارة لا يبقى على إطلاقه، بل لا بدّ من رفع اليد عنه في حالات وجود العلم الوجداني، و الأصل ليس علماً وجدانياً، كما سيأتي التعرّض لهذا البحث و مناقشته في محله إن شاء الله.
هذا تمام الكلام في تفسير و تحليل الفرق بين الأمارات و الأصول العملية المجعولة شرعاً.
المقدمة الثالثة: في التمييز بين الأصول العملية العقلية و بين مجموع الشرعيات من أصول عملية و أمارات.
فقد لاحظنا فيما سبق أنّ الأصول العملية الشرعية خطابات يصدرها الشارع في مقام علاج التزاحم بين أغراضه الواقعية في مقام الحفظ، و ذلك بأن يتحفظ بخطاب ظاهري عند الخلط و الاشتباه، و من هنا كان الأصل العملي إعمالًا تشريعياً من قبل المولى.