بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٧ - التنبيه الأول تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية
على أنّ رجحان الاحتياط و ترك الشبهات ليس منشؤه التحفظ على الواقع، بل لأنّ ترك الشبهات يخلق في النفس ملكة و مقاومة، و قادرة على ترك المحرمات المعلومة، إذ من تمرّس و اعتاد على ترك الشبهات هان عليه ترك المحرمات.
و بناء على هذا الاحتمال، لا يلزم محذور اللغوية حينئذٍ، لأنّ احتمال التكليف و إن كان يكفي في تحريك المكلّف نحو الاحتياط حتى لو لم يكن الاستحباب مجعولًا للاحتياط، إلّا أنّ هذه المحركية الناشئة من احتمال حرمة التكليف هي محركية مغايرة للمحركية الناشئة من جعل الاستحباب المولوي للاحتياط، إذ إنّ المحركية الأولى منشؤها التحفظ على الواقع المشكوك، بينما المحركية الثانية منشؤها خلق ملكة مقاومة للوقوع في الشبهات، غايته: أنّه يجتمع محركان، فإنّ الاستحباب النفسي للاحتياط يوجد تأكد المحركية نحوه، و ذلك لاجتماع ملاكين فيه للمحركية؛ هما: ملاك التحفظ على الواقع المشكوك، و ملاك نفس الاحتياط، كما هو الحال عند ما يجتمع ملاكان في شيء واحد، فإنّه يتأكد بذلك الحكم، لتأكد الملاك، و من ثمّ يتأكد حكم العقل بالانبعاث.
الاحتمال الثاني: هو أن يكون الاستحباب المولوي للاحتياط استحباباً طريقياً، بحيث إنّ منشأه يكون من أجل التحفظ على عدم الوقوع في المحرمات المحتملة، و معه: لا يلزم محذور اللغوية، لأنّ احتمال التكليف واقعاً و إن كان يكفي في تحريك المكلّف نحو الاحتياط، إلّا أنّ هذه المحركية تقوى و تتأكد بجعل استحباب للاحتياط، لأنّه بهذا تتأكد شدة اهتمام المولى بإحراز الواقع المشكوك، كما أنّه بهذا تقوى المحركية.