بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٦ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
ثمّ إنّه بعد كلمات المحقق، شاع في كلمات العلماء إدراج البراءة في الاستصحاب، و في الأدلة الظنية و لو من باب أنّ عدم الدليل دليل العدم، حتى إنّه في كلمات البهائي و صاحب المعالم (قده) ما يدلّ على هذا الطرز من التفكير، بل نقل الشيخ الأعظم (قده) في الرسائل بعض الكلمات عن المحقق القمي (قده) تشعر بذلك، و قد استغربه الشيخ.
إذاً، البراءة العقلية تتذبذب بين أن تكون استصحاباً، و هو دليل عقلي عندهم، و بين أن تكون أمارة ظنية و لو من باب أنّ عدم الدليل دليل العدم، و كل هذه لا يستشم منها قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و قد تبلورت قاعدة قبح العقاب بلا بيان في العصر الثالث من عصور علم الأصول على يد الوحيد البهبهاني و صاحب الحاشية على المعالم، شريف العلماء، و من بعده الشيخ الأنصاري (قده).
بل حتى بعد أن تحدّدت بهذه الصيغة وقع الاختلاف فيما بينهم في سعتها و ضيقها فتعاملوا معها كأنّها شبه دليل لفظي.
و مما يدل على عدم كون مضمون هذه القاعدة فطرياً و مترسخاً، هو أنّ جملة من هؤلاء شكّكوا في جريانها في الشبهات المفهومية، فمثلًا: لو شكّ في انطباق مفهوم الغناء على (حالة)، قالوا: لا تجري قاعدة قبح العقاب، إذ لعلّ البيان هنا تام بلحاظ كلمة (غناء).
و أجابوهم: أنّ المقصود من البيان ما يوضح المطلب عند المكلّف، لا البيان في نفسه.
و قد ذهب بعضهم إلى عدم جريانها في الشبهات الموضوعية،