بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٣ - الاستدلال بالكتاب على الاحتياط
من المعنى الذي قصد من كلمة الجهاد التي وقعت في آية أخرى، في قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) ( [١]).
ثمّ إنّه لو سلّم إرادة الاحتمال الأول، فمن الواضح أنّ هذه الطاعة التي أمر بها في هذه الآية ببذل الجهد، فيها أصناف متعددة تنطبق على الطاعة في الواجبات و المحرمات الأحكام الإلزامية التي تنجزت و وصلت إلى المكلّف لأنّها طاعة، و كذلك المستحبات و المكروهات، فالمجاهدة فيها أيضاً مجاهدة في سبيل الله تعالى، و كذلك الحال في الشبهات البدوية التي لم يتم لها تنجيز في المرتبة السابقة.
و من الواضح أنّ الأمر في الآية لم ينصب على الشبهات البدوية فقط حتى يتم الاستدلال بها على المطلوب حتى يحمل على الطريقية،- أي إنّه وجوب طريقي- في مقام تنجيز و إيجاب الاحتياط، بل الأمر ناظر إلى جميع هذه الموارد، هذا مضافاً إلى أنّ العرف يفهم من هذا الأمر مجرد الحث و التأكيد على التزام مقتضيات أحكام الله تعالى في كل مورد بحسب ما يقتضيه ذلك المورد، لا أنّ الأمر يكون أمراً وجوبياً طريقياً، لأنّه لا يناسب مع المستحبات و المكروهات، و أيضاً لا يناسب مع الأحكام الإلزامية التي تمّ لها تنجز في المرتبة السابقة، إذ بعد ذلك لا يعقل أن يجعل لها وجوب طريقي لكي ينجزها، و العرف لا يفهم من الأمر أكثر مما يفهمه من قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ)* و حينئذٍ، لا يكون فيها دلالة على وجوب الاحتياط.
و الحاصل: هو أنّه استدل على إيجاب الاحتياط بقوله تعالى:
[١] سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.