بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧١ - التنبيه الأول تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية
و قد يجاب على هذا الإشكال: بأنّه يمكن تحقق قصد القربة عند الإتيان بالفعل في المقام، و ذلك لأنّ قصد القربة يتوقف على وجود أمر جزمي بالفعل، و هذا الأمر الجزمي موجود، و هو نفس الأمر الشرعي الاستحبابي بالاحتياط، كما في لسان: (أخوك دينك فاحتط لدينك)، فيقصد المكلّف امتثال هذا الأمر الجزمي الذي استدل به الإخباري على وجوب الاحتياط، و يدلّ عند الأصوليين على استحباب الاحتياط.
و لكن قد يشكل و يقال: بأنّ هذا الأمر الاستحبابي المتعلق بالاحتياط إنّما هو أمر توصلي، بمعنى: أنّ الأمر باستحباب الاحتياط يسقط بمجرد إتيان الفعل المحتاط به، و لو لم يكن هذا الإتيان بقصد امتثال الأمر بالاستحباب، إذاً، ما دام هذا الأمر بالاستحباب توصلياً، فكيف يجب قصد امتثاله؟
و أجيب عنه: بأنّ لزوم قصد امتثال الأمر بالاحتياط لم ينشأ من كونه أمراً عبادياً ليشكل و يقال: بأنّه توصلي و ليس بعبادي، و إنّما نشأ لزوم قصد امتثال الأمر بالاحتياط من جهة احتمال كون هذا الفعل أمراً عبادياً و مطلوباً واقعاً، لأجل ذلك كان لا بدّ من قصد الأمر الاستحبابي بالاحتياط، كي تتحقق العبادة التي نحتمل أنّها مطلوبة واقعاً، إذاً، فضرورة قصد امتثاله في باب العبادات لم تنشأ من ناحية عبادية نفس الأمر بالاحتياط، و إنّما نشأت من ناحية احتمال عبادية ما يحتاط فيه، و نحتمل كونه عبادة و مطلوباً واقعاً.
و لكن التحقيق، هو أنّ التحرك عن الأمر المحتمل يحقق التقرب كما يحققه الأمر الجزمي المعلوم، إذاً، فلا يتوقف وقوع الفعل عبادة على افتراض أمر معلوم، بل يكفي قصد امتثال الأمر المحتمل، فيؤتى بالفعل حينئذٍ بنيّة رجاء المطلوبية.