بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٦ - الاستدلال على البراءة بالسنة
و بعبارة أخرى: إنّ إرادة الترخيص الواقعي لا محذور فيها، لأنّ المراد بالنهي الخطاب المبرز لا الحرمة المبرزة، لأنّه اسم له، و لهذا لو جعل الحرمة في نفسها و لم يبرزها لا يقال لذلك: نهي، وعليه يكون معنى الرواية:
(كل شيء مطلق حتى يرد الخطاب المبرز للتحريم)،
و حينئذٍ فأيّ محذور في أن يفرض في المقام أنّ الإباحة الواقعية مقيّدة لا بعدم التحريم الواقعي، بل بعدم صدور أو بعدم وصول الخطاب التحريمي، و هذا يلازم أن يكون نفس التحريم الواقعي مقيداً بعدم وصول نفسه؟
و قد بيّنا في بحث أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، أنّه معقول أخذ العلم بالكاشف في موضوع المنكشف، و ذلك بأن يقيّد الحكم بوصول الخطاب و بإبرازه من طريق مخصوص، و ليس في ذلك دور و لا خلف، و إنّما المستحيل هو أن يؤخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم، و حينئذٍ لا مانع من افتراض أنّ الإباحة تكون إباحة واقعية و مقيّدة بعدم ورود الخطاب الكاشف عن التحريم، سواء أردت بالورود (الصدور أو الوصول).
و قد تصوّر الشيخ الأنصاري (قده) ( [١]) في مقام تصحيح مقالة المحدثين من علمائنا: أنّ الأحكام الشرعية مقيد بوصول خطاباتها عن طريق الأئمة (عليهم السّلام) لكي لا يكون الأخذ بها من غير هذا الطريق حجة، و هذا معقول ثبوتاً و إن لم يدل عليه دليل إثباتاً.
و من المحتمل أن يكون مفاد الرواية: هو أنّ الأصل في الأشياء ما لم يحكم الشارع هو، الإباحة لا الحظر، و تكون حينئذٍ أجنبية عن محل الكلام.
[١] الرسائل: الأنصاري، ج ١، ص ٤٠٦ ٣٧١ ٣٧٠ ط جامعة المدرسين.