بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩٤ - اعتراض على الاستدلال بروايات الوقوف عند الشبهة
فيه، يعني: أنّه ليس للعقل الفطري السليم حكم قاطع في المقام، و إنّما المسألة مسألة ظنون و حدوس و آراء شخصية: فلا بدّ من ردّه إلى الله تعالى.
إذاً، فهذا الاحتمال إن لم يكن هو الأقرب في كلمتي (الرشد و الغي)، فلا أقل من أنّه يكون موجباً لإجمال الرواية، و حينئذٍ تكون أجنبية عن محل الكلام.
و إن شئت قلت: إنّ الوارد في الرواية، عنوان (بيّن الرشد و بيّن الغي)، و هذا العنوان إنّما يناسب المستقلات العقلية و مدركات العقل العملي، أي ما يكون رشداً و حسناً في قبال ما يكون ظلماً و ضلالة، و معنى هذا: أنّها تكون دالة على أنّ ما لا يدل العقل العملي حسنه بشكل بيّن، لا يجوز أن نحكّم فيه أذواقنا و ظنوننا، و إنّما يجب أن نردّ حكمه إلى الله و رسوله، و معه تكون الرواية من أدلة النهي عن إعمال الرأي في الدين، و لا أقل من احتمال ذلك، ممّا يوجب إجمال الرواية، فتكون أجنبية عن محل الكلام.
الوجه الثاني: هو أنّه لو سلّمنا بأنّ المراد من الرشد و الغي المعنى الشرعي، فحينئذٍ نقول: بأنّه هنا جعل تقابلًا بين الأمر البيّن الرشد و البيّن الغي، و بين الأمر المختلف فيه، بينما لا تقابل بالذات بين الوضوح و الجلاء الذي هو معنى: (بيّن الرشد و بيّن الغي)، و بين الاختلاف، إذ قد يكون الشيء مختلفاً فيه مع أنّه قد يكون بيّناً رشده أو غيّه عند أحد المتخاصمين، إذاً، لا بدّ من إعمال عناية، إمّا بأن يحمل الاختلاف على كونه طريقاً و سبباً إلى غموض المطلب، حيث إنّ الاختلاف يكون سبباً للغموض و التشكيك، فبدلًا من أن يذكر الشك بنفسه يذكر بملاكه أو بالعكس، فنقول مثلًا: بيّن الرشد يحمل على أنّ المقصود منه، يعني: مجمع على رشده و مجمع على غيّه،