بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩٥ - اعتراض على الاستدلال بروايات الوقوف عند الشبهة
و إنّما بيّن بلسان: (بيّن)، باعتبار أنّ الإجماع يساوق البيان، و لا مرجح لإعمال العناية بالترتيب الأول على الثاني، و لو أعملناها على الترتيب الثاني، لكان معناها: (أمر مجمع على حليّته و رشده فاتبعه، و أمر مجمع على حرمته فاجتنبه، و أمر اختلف فيه المسلمون فرده إلى الله تعالى)، و حينئذٍ يكون مفادها مسوقاً لجعل الحجية للإجماع، و تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.
و بتعبير آخر: احتمال أن يكون المراد من (بيّن الرشد، و بيّن الغي)، هو المجمع على صحّته و المجمع على بطلانه أو حرمته، و ذلك بقرينة جعل القسم الثالث أنّه ما اختلف فيه لا ما شك فيه، فإنّ المختلف فيه قد يكون بيّن الرشد أو الغي لدى الإنسان.
و الحاصل: هو أنّه كما يمكن حمل المختلف فيه على المشكوك، كذلك يمكن جعله قرينة على إرادة البيّن إثباتاً، أي المجمع عليه من الفريقين، إذاً، فيكون النظر في إلى لزوم الأخذ بما هو مجمع عليه و ترك المختلف فيه، و هذا إن لم يكن هو الظاهر، فلا أقل من احتماله، و معه تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.
الوجه الثالث: هو أنّه لو فرضنا أنّ الاختلاف بمعنى: الشك، فحينئذٍ نقول: بأنّ هذا اللسان تحكم عليه أدلة البراءة بأيّ لسان كانت، و ذلك باعتبار أنّه لم يقل: (بيّن حرمته و بيّن حليّته)، و إنّما قال: (بيّن رشده، و بيّن غيّه)، و من الواضح حينئذٍ حتى بعد حمل الرشد على المعنى الشرعي و كذلك الغي يكون الإقدام على ارتكاب الشبهة استناداً إلى البراءة المجعولة من قبل الشارع إقداماً على أمر بيّن رشده، و ليس إقداماً على الشبهات، لأنّه قد أخذ بالرخصة الصادرة من قبل المولى تعالى، و الرشد عبارة عن العمل الواقع بالنحو