الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ٥٠ - الفاء مع اللام
أي قسماها؛ من الفِلْج و الفالج، و هو مِكيال، و كان خراجُهم طعاماً.
[فلت]
: خطب رضي اللّه تعالى عنه الناس، فقال: إنّ بَيْعَةَ أبي بكر كانت فَلْتَةً وَقَى اللّه شَرَّها؛ إنه لا بيعة إلّا عن مَشُورة؛ و أيّما رجل بايَع من غير مشورة فإِنه لا يَؤمَّر واحِدٌ منهما تَغِرَّة أنْ يُقْتلا.
فَلْتة؛ أي فُجاءة، لأنه لم يُنْتَظر بها العوام، و إنما ابتدرها أكابرُ الصحابة لعلمهم أنه ليس له منازع و لا شريك في وجوب التّقدم؛ و قيل: هي آخر ليلة من الأشهر الحرم. و فيها كانوا يختلفون؛ فيقول قوم: هي من الحلّ. و قوم من الحُرم، فيسارع الموتور إلى دَرك الثأر غير متلوّم؛ فيكثر الفساد و تُسفكُ الدماء؛ قال:
سائل لَقِيطا و أَشياعَها * * *و لا تدَعَنْ و اسأَلَنْ جعفرا
غداة العرُوبة مِنْ فَلْتَةٍ * * *لمن تركوا الدَّار و المَحْضَرا
أي فَرَّوا لَمَّا حلّ القتالُ فتركوا محاضرهم؛ فشبّه أيامَ حياةِ رسولِ اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بالأشهر الحُرُم؛ و يوم مَوْتِه بالفَلْتة في وقوعِ الشر، من ارتدادِ العرب، و مَنْع الزكاة، و تخلّف الأنصار عن الطاعة و الجَرْي على عادةِ الَعرب في أَلَّا يسودَ القبيلةَ إلَّا رجل منها، و قولِهِمْ: مِنّا أَمِير و مِنْكُمْ أَمِير.
و
في الحديث، عن سَالم بن عبد اللّه بن عُمر، قال: قال عُمر: كانت إمارة أَبي بكر فَلْتة وَقَى اللّه شَرَّها. قلت: و ما الفَلْتة؟ قال: كان أهلُ الجاهلية يتحاجَزُون في الحُرُم، فإذا كانت الليلةُ التي يُشَكّ فيها أدغلوا فأغاروا.
و كذلك كان يوم مات رسولُ اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أدْغَلَ الناسُ من بين مُدَّعٍ إمارةً و جاحدٍ زكاة؛ فلولا اعتراضُ أبي بكر دونَها لكانت الفضيحة. و يجوز أن يريد بالفَلتة الخِلسة، يعني أن الإمارة يوم السَّقِيفة مالت إلى تَوَلِّيها كلّ نَفْس، و نِيطَ بها كلُّ طَمع، و لذلك كثر فيها التشاجر و التجاذب، و قاموا فيها بالخطب، و وثب غيرُ واحد يستصوبها لرجُلِ عشيرتِه، و يُبْدِي و يُعِيد، فما قُلِّدها أَبو بكر إِلّا انتزاعاً من الأيدي، و اختلاساً من المخالب، و مثلُ هذه البيعة جديرةٌ بأن تكونَ مُهيجة للشر و الفتنة، فعصم اللّه من ذلك و وقى!
التَّغِرَّة: مصدر غَرَّر به؛ إذا ألقاه في الغَرر. و الأصل خوف تَغِرَّة في أن يُقتلا؛ أي خوف إخطارٍ بهما في القتل. و انتصاب الخوف على أنه مفعول له، فحُذف المضاف، و أقيم المضاف إليه مقَامه و حُذف حرف الجر.
و يجوز أن يكون: أن يقتلا بدلًا من تَغرّة، و كلاهما المضاف محذوف منه. و إن أضيفت التَّغِرة إلى أن يُقْتلا فمعناه خوف تغرير قَتْلهما، على طريقة قوله تعالى: بَلْ مَكْرُ
- معن بن زيد: بايعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و خاصمت إليه فأفلجني. و حديث أبي هريرة: الفالج داء الأنبياء.
النهاية ٣/ ٤٦٨، ٤٦٩.