الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ٣٩ - الفاء مع الطاء
الفاء مع الطاء
[فطر]
*: النبي (صلى اللّه عليه و سلم)- كلُّ مولودٍ يُولَد على الفِطْرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يُهَوِّدَانه أو يُنَصِّرَانه، كما تُنْتَجُ الإبلُ مِنْ بَهيمةٍ جَمْعاء، هل تحسُّ من جَدْعاء!
قالوا: يا رسول اللّه: أَ فَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ هو صَغِير! قال: إنَّ اللّه أعلم بما كانوا عاملين.
بِنَاءُ الفِطْرَة تدلُّ على النوع مِنَ الفَطْر؛ كالجِلْسة و الرِّكْبَة. و في اللام إشارة إلى أنها معهودة، و أنَّها فِطْرَةُ اللّه التي نطق بها قوله تعالى عزّ مِن قائل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: ٣٠].
و الفَطْر: الابتداء و الاختراع.
و منه
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: ما كنتُ لأَدْرِي مَا فٰاطِرُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ* حتى احْتَكَمَ إليَّ أعرابيَّان في بِئْرٍ؛ فقال أحدهما: أنَا فطَرْتُها؛ أي ابتدأت حَفْرَها.
و المعنى أنه يُولَدُ على نَوْع من الجِبِلة؛ و هو فِطْرة اللّه، و كونه مُتَهيِّئاً مستَهْدفاً لقبول الحَنِيفية طوعاً لا إكراماً، و طَبْعاً لا تكلُّفاً، لو خَلَّتْهُ شَيَاطينُ الجن و الإنس و ما يختاره لم يَخْتَرْ إِلّا إيّاها، و لم يلتفتْ إلى جَنبة سِوَاها.
و ضرب لذلك الجَمْعاء [و الجَدْعاء] مثلًا؛ يعني أن البهيمة تُولَدُ سوِيَّة الأعضاءِ سليمة من الجَدْع و نحوه، لو لا الناسُ و تعرّضُهم لها لبقيت كما وُلِدت، و قيل للسليمة؛ جَمْعَاء لأن جميعَ أعضائها وافرة لم يُنْتَقَصْ منها شيء.
و في معناه
حديثه (صلى اللّه عليه و سلم): يقول اللّه تعالى: إِنِّي خَلَقْتُ عِبادي حُنَفاء فاجْتَالتْهم الشياطين عَن دِينهِم؛ و جَعَلتُ ما نحلتهم من رِزْق فهو لهم حلال، فحرّم عليهم الشياطينُ ما أحْلَلْتُ لهم.
يعني البحائر [١] و السُّيَّب [٢].
و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): بما كانوا عاملين: إشارة إلى تعلُّق المَثوية و العقوبة بالعَمل؛ و أن الصغار لا عَمل لهم؛ و قد أخْرَجَه على سبيل التهكُّم؛ و أنَّ اللّه يجازي الصغار كِفاء ما عملوا؛ و قد عَلِم أنهم لم يعملوا عملًا يُجازون به.
[٣] (*) [فطر]: و منه الحديث: عشرٌ من الفطرة. و في حديث علي: و جبَّار القلوب على فِطَرَاتها.
و الحديث: أفطر الحاجم و المحجوم. النهاية ٣/ ٤٥٧.
[١] البحائر: جمع بحيرة، و هي المشقوقة الأذن.
[٢] السيب: جمع سائبة، و هي الناقة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر أو نحوه.