الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ١٤٥ - ردّ الإشکال
قبل الشرع. و بعد هذا جعلت البراءة أمارةً على عدم الحكم من باب أنّ عدم الوجدان دليل على عدم الوجود؛ ثمّ أرجعت إلى قانون استحالة التكليف بغير المقدور خلطاً بين الجهل بالحكم بمعنى الإبهام المطلق و بين الشك.
و إنّما طرحت [١] البراءة كأصل عقليّ مؤمّن من خلال تحقيقات مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهانيّ رحمه الله . و واقع المطلب أنّ هذه القاعدة عقلائيّة، لا عقليّة؛ فتختصّ بالمولويّات العرفيّة العقلائيّة. و لا تتمّ في حقّ الشارع الأقدس التي [٢] تكون مولويّته ذاتيّةً و مطلقةً شاملةً للأحكام المعلومة و المشكوكة معاً. و في المولويّات العقلائيّة لا يبعد الاختصاص بما بعد الفحص؛ أي: أنّ حكمهم بعدم حقّ الطاعة في موارد الجهل مختصّ بما إذا فحص المكلّف عن الحكم الإلزاميّ و لم يجده، لا ما إذا ترك الفحص عنه رأساً» [٣].
أقول: قاعدة قبح العقاب بلا بِیان قاعدة عقلِیّة؛ أي: ممّا تطابقت علِیها آراء جمِیع العقلاء؛ مثل حسن العدل و قبح الظلم أو قاعدة عقلائِیّة؛ أي: ممّا تطابقت علِیها آراء أکثر العقلاء، لا جمِیعهم. و علِی أيّ حال قاعدة عقلائِیّة أمضاها الشارع و إجرائها في الأحکام منوط بالفحص عن الدلِیل. و بعد الفحص و الِیأس عن الدلِیل تجري قاعدة قبح العقاب بلا بِیان. و الشاهد علِی کون القاعدة عقلائِیّةً أنّه ِیمکن تخصِیصها بموارد تکون الاحتِیاط فِیها واجباً، مثل الدماء و الفروج و الأموال.
و لا ِیخفِی أنّ الاحتِیاط في فرض وجود الدلِیل المعتبر بنحو جزئيّ في مورد خاصّ أو بنحو کلّي؛ مثل الدماء. و ذلك خروج تخصّصيّ عن قاعدة قبح العقاب بلا بِیان؛ إذ الدلِیل هو البِیان، سواء کان لفظِیّاً أو عقلِیّاً. و هذه القاعدة- سواء کانت عقلِیّةً أو عقلائِیّةً- لم تثبت مخالفة الشارع مع هذه القاعدة؛ بل ثبت إمضاء الشارع لهذه القاعدة برواِیات البرائة و الأدلّة الدالّة علِی سهلِیّة الدِین علِی العباد؛ فإن کانت القاعدة عقلِیّةً، لا ِیمکن للشارع المخالفة
[١] . الصحِیح: بِیّنت.
[٢] . الصحِیح: الذي.
[٣] . بحوث في علم الأصول ٥: ٣٩٥- ٣٩٦.