الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٨٠ - الإشکال الثاني
ممّا لا وجه له، إلّا أن يريد جعل البيّنة على المسلمين في دعوى الشريعة الناسخة، إمّا لدفع كلفة الاستدلال عن نفسه و إمّا لإبطال دعوى المدّعي، بناءً على أنّ مدّعي الدين الجديد- كمدّعي النبوّة- يحتاج إلى برهان قاطع؛ فعدم الدليل القاطع دليل قطعيّ على عدمه بحكم العادة، بل العقل؛ فغرض الکتابيّ إثبات حقّيّة دينه بأسهل الوجهين» [١].
قال الموسويّ القزوِینيّ رحمه الله : «قولنا: «يجب الاعتقاد بنبوّة فلان»- مثلاً- لاشتماله على ثلاثة أجزاء: الحكم و الاعتقاد و المعتقد و الاستصحاب فيه إمّا أن يفرض بالقياس إلى الحكم أو بالقياس إلى الاعتقاد أو بالقياس إلى المعتقد أو بالقياس إلى الآثار المترتّبة شرعاً على أحد هذه الثلاث لو فرض له آثار.
و بالتأمّل في ذلك ظهر أنّ المراد بالاستصحاب في أصول الدين ما يجري بالنسبة إلى نفس المكلّف فيها، لا بالقياس إلى غيره ممّن كان في وقت موحّداً مسلماً مؤمناً إذا شكّ في وقت آخر في بقاء توحيده أو إسلامه أو إيمانه؛ لوجوب القطع حينئذٍ بجريان الاستصحاب و صحّته و حجّيّته، قصداً إلى ترتيب الآثار المعلّقة عليها الراجعة إلى المكلّف.
بل هذا الاستصحاب عند التحقيق بالنسبة إلى المكلّف ليس من الاستصحاب في أصول الدين، بل من الاستصحاب في الأمور الخارجيّة و الموضوعات الصرفة؛ لوضوح أنّ توحيد زيد أو إسلامه أو إيمانه بالقياس إلى غيره من المكلّفين من الموضوعات التي علّق عليها أحكام راجعة إلى ذلك الغير، كما أنّ عدالته كذلك؛ فهذا الاستصحاب ممّا لا كلام فيه هنا.
بل الغرض التكلّم في صحّة الاستصحاب الذي يعمله المكلّف في أصول دينه التي كلّف فيها و قد عرفت أنّ له مراتب ثلاث:
فإن أريد إعماله في المرتبة الأولى- أعني الوجوب المتعلّق بالاعتقاد- فإن كان مع بقاء الاعتقاد، فلا يعقل استصحابه؛ لسقوطه بحصول امتثاله.
و إن كان مع زوال الاعتقاد و تبدّله بالشك، فلا يتصوّر ذلك إلّا مع سريان؛ فمرجع الكلام إلى وجوب تحصيل الاعتقاد ثانياً. و لا حاجة لإثباته إلى الاستصحاب؛ لوجود عين الدليل
[١] . فرائد الأصول٢: ٦٧٢- ٦٧٣ (التلخِیص).