شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣١ - ٨٤ وَالأَمانَةُ المَحْفُوظَةُ
إنّ اللّٰه يأمر الاُمراء والحكّام والولاة والقضاة في الآية السابقة أن يؤدّوا كلّ الأمانات إلی أصحابها، ويحافظوا عليها بشكل جيّد؛ وأن يحكموا بين الناس بالقسط ويعاملوهم بالسويّة والعدل، فإذا أدّوا حقوق الناس فقد أدّوا حقّ اللّٰه وأماناته. كذلك يأمر اللّٰه الناس إطاعة الولاة الاُمناء في الآية الآتية، وذلك بقوله:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ).[١]
رُوي أنّ المعلّى بن خنيس ـ وهو من تلامذة الإمام الصادق علیه السلام ـ سأل الإمامَ الصادق علیه السلام عن تفسير قوله جلّ وعلا: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) فقال الإمام علیه السلام:
عَلَى الإمام أن يَدفَعَ ما عِندَهُ إلَى الإمامِ الَّذي بَعدَهُ، واُمِرَتِ الأئِمَّةُ أن يَحكُموا بِالعَدلِ، واُمِرَ النّاسُ أن يَتَّبِعوهُم.[٢]
يبيّن هذا التفسير بوضوح العلاقة [الوثيقة] بين الآيتين [الكريمتين] وحسن أداء الأئمّة علیهم السلام للأمانة، كما أنّ له رسالتين إلى المسؤولين: الاُولى: تسليم الاُمور إلى من يستحقّ ذلك ولديه كفاءة عالية، والاُخرى: التصرّف مع الناس جميعهم بالعدل والقسط.
أمانة المسؤوليّة
إنّ المسؤوليّة أمانة [عظيمة] في النظام الإسلاميّ، لا أنّها وسيلة لكسب المال وإمرار المعاش؛ وعليه: من يتقبّل مسؤوليّة ما في الحكومة الإسلاميّة فهو قد تحمّل مهامّ شاقّة، وحينما يسلّم عمله ومهامّه سيكون ذلك يوم راحته وسكينته؛ لأنّه تخلّص من ثقل أمانة عظيمة، جاء في نهج البلاغة أنّ الإمام عليّاً علیه السلام كتب إلى عامله على آذربيجان [وهو الأشعث بن قيس]:
إنَّ عَمَلَكَ لَيسَ لَكَ بِطُعمَةٍ، و لٰكِنَّهُ في عُنُقِكَ أَمانَةٌ.[٣]
وقد كان أمير المؤمنين علیه السلام حافظاً للأمانات بقوّة إلی آخر حكومته، ولم يكنْ يسمح بأيّ
[١] . النساء: ٥٩.
[٢] . كتاب من لا يحضره الفقيه، ج٣، ص٣، ح٣٢١٧.
[٣] . نهج البلاغة، الكتاب ٥.