شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٩٤ - ٧٥ وَفَصْلُ الخِطَابِ عِنْدَكُمْ
قد بلغ شأواً كبيراً في عبوديّته للّٰه حتّی باتت الطيور والجبال يسبّحن معه، وكان في أوج القدرة، وكان ملكاً تامّاً دون أيّ خلل، وبعد كلّ هذه المسيرة وصل إلى مرتبة الحكمة وفصل الخطاب.
إذن فصل الخطاب هديّة إلهيّة يمنحها اللّٰه لمن يشاء، ويعتقد الشيعة أنّ اللّٰه منح أهل البيت علیهم السلام فصل الخطاب؛ فتنعّموا بهذه النعمة العظيمة.
ونُبيّن الآن "فصل الخطاب" مفهوماً، ثمّ كيفيّة فصل الخطاب لدى الأئمّة علیهم السلام.
معاني "فصل الخطاب"
فصل الخطاب مصطلح قرآني، وقد تمّ بيانه في النصوص الدينيّة بطرقٍ مختلفة، لكن أهمّ معاني فصل الخطاب تتجلّی في النقاط التالية:
۱. التّحدّث بشكل جيّد (الكلام الحسن)
تعني العبارة "فصل الخطاب" الكلام المنقطع أو القاطع، وهذا يقترب من المعنى اللغوي بحيث يراجع الخطيب أو المتكلّم الكلام رويداً رويداً؛ ويطلق في العربية على العبارة "أمّا بعد" فصل الخطاب؛ لأنّ المتكلّم أو الكاتب يذكر العبارة "أمّا بعد" بعد الحمدلة والحوقلة، ويبدأ كلامه بها؛ فيفصل بـ "أمّا بعد" ما يأتي بعدها عمّا سبق في المقدّمة. هذا الاُسلوب من الكلام يضفي على الحديث جماليّة خاصّة، ويطرب المستمع ويلتذّ عند سماعه الكلام المنتظم المسبوك. وهكذا كان أهل البيت علیهم السلام في كلامهم؛ إذ اتّسم كلامهم بجماليّة خاصّة وسبك رائع لا نظير له، وكان فصلاً وواضحاً لا حواشيّ فيه، فبات أعلق في الذّهن وأقرب إلى القلب؛ فجاء في شأن إمام أهل البيت رسولِ اللّٰه صلی الله علیه و اله:
كانَ كَلامُ رَسولِ اللّهِ صلی الله علیه و اله كَلامَاً فَصلاً يَفهَمُهُ كُلُّ مَن سَمِعَهُ.[١]
وقيل في وصف كلامه أيضاً:
كانَ... يَتَكَلَّمُ بِجَوامِعِ الكَلامِ فَصلاً لا فُضولَ فيهِ ولا تَقصِيرَ.[٢]
[١] . سنن أبي داود، ج٤، ص٢٦١، ح٤٨٣٩.
[٢] . معاني الأخبار، ص٨١.