شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٦ - ٧٣ والحَقُّ مَعَكُمْ وَفِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَإِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ وَمَعْدِنُهُ، وَمِير
الباطل بالزبد الرابي، وبهذين التشبيهين الجميلين يبيّن القرآن ماهيّة الحقّ والباطل؛ وذلك في الآية الآتية:
(أَنزَلَ مِنَ السّماء مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الحقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ).[١]
محكّ الحقّ
يميّز الصائغ بمحكّ الذهب؛ الذهبَ الصافي والخالصَ من الزائف، وقد يرجّح الطفل المجوهرات التقليديّة على الذهب الصافي بسبب لمعانها وخطفها للأنظار، فمعرفة الحقّ من بين الشبهات الكثيرة ليس بالأمر اليسير؛ فلابدّ أن يتمّ ذلك عبر معايير دقيقة في جلاء الحقّ وظهوره، وإزاحة الباطل وإبعاده.
إنّ الاعتقاد بالحقّ مسؤوليّة، أمّا الاعتقاد بالباطل فهو ترفيه، والخُلُق الحقّ بناء للحاضر والمستقبل، أمّا الخُلُق الباطل فهو مخدّر ومسكّن [زائف]، والسلوك الحقّ يعلّم سبل الحياة وطرقها، أمّا السلوك الباطل فيهدم بناء الاُسرة ومعالمها، تنهى الصلاة الحقّة عن الفحشاء والمنكر، أمّا صلاة أهل الباطل فتنسجم مع كلّ أنواع الظلم وألوان الفحشاء؛ فمع أنَّ يزيدَ ـ مثلاً ـ ناهض الحقّ وحاربه لكنّه كان أمير المؤمنين لدى بعض خفاف العقول في زمانه.
إذن لكلّ من أصحاب الحقّ والباطل اعتقادات وأفعال وأخلاقيّات خاصّة، وإذا لم نمتلك معياراً وميزاناً لتمييز الحقّ من الباطل فسيكون الدين مزيجاً من الحقّ والباطل؛ وبالتالي نبتعد عن الدين الحقيقيّ.
إنّ من الموانع الرئيسة لمعرفة الحقّ هو عدم معرفة المعايير الصحيحة، فقد شكّ أحد أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام وهو في خِضَمّ حرب الجمل، فاحتار في معرفة الحقّ؛ إذ تقف في إحدى الجبهتين اُمّ المؤمنين عائشة ومشاهير من الصحابة مثل طلحة والزبير، وفي الطرف
[١] . الرعد: ١٧.