شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٥ - ١٥ وَأُمَنَاءَ الرَّحْمنِ
إنَّ الأمانَةَ فِي القُرآنِ الإمامَةُ.[١]
ولإثبات مدّعاه يسرد أحاديث وروايات مختلفة. والحاصل من ذلك كلّه أنّ المقصود من كلمة الأمانة هو الإمامة نفسها، هذا من جهة.
ومن جهة اُخرى ألقى اللّٰه تعالى مسؤوليّةَ الاُمّة الإسلاميّة ــ وفقاً للروايات ــ كأمانةٍ على عاتق العباد المقرّبين المؤهّلين، وما أعظم مقالة أمير المؤمنين علیه السلام في رسالته المعنِّفة الموجَّهة إلى الأشعث بن قيس، والي أذربيجان، بأنّ الولاية ليست لقمةً سائغةً لذّةً للآكلين وطُعمةً للمفترسين، فيقول علیه السلام:
إنَّ عَمَلَكَ لَيسَ لَكَ بِطُعمَةٍ! وَ لكنَّهُ في عُنُقِكَ أمانَةٌ، وَ أنتَ مُستَرعَىً لِمَن فَوقَكَ، لَيسَ لَكَ أن تَفتاتَ في رَعِيَّةٍ وَ لا تُخاطِرَ إلاّ بِوَثِيقَةٍ، وَ في يَدَيك مالٌ مِن مالِ اللّهِ عز و جل وَ أنتَ مِن خُزّانِهِ حَتّى تُسَلِّمَهُ إلَيَّ.[٢]
فيرى الإمامُ عليّ علیه السلام في رسالته أنّ الحاكم مؤتمنٌ على الرعيّة، ومسؤولٌ عن خزانة الدولة، وحافظ لبيت مال المسلمين، ويُعطي الإمامُ عليّ علیه السلام في نهاية رسالته درساً عن أدب الإمامة وثقافة الولاية وتواضع الحاكم لمن شاء أن يعتبر من ولاة الإسلام وحكّامهِ، فيقول:
لَعَلّي ألاّ أكونَ شَرَّ وُلاتِكَ لَكَ.[٣]
ذات يوم احتمل أحدُ عمّال أمير المؤمنين عليٍّ علیه السلام بيتَ مال البصرة هارباً به إلى الحجاز، فكتب إليه الإمامُ معبّراً عن عميق الجرح في قلبه، ومذكّراً إيّاه بأنّ الإمامة أمانةُ اللّٰه، وأنّ عمّالَه شركاؤه في الأمانة الإلهيّة، فيقول:
أمّا بَعدُ، فَإنّي كُنتُ أَشرَكتُكَ فِي أمانَتِي وَ جَعَلتُكَ شِعاري و بِطَانَتي، و لَم يَكُن رَجُلٌ مِن أهلِي أَوثَقَ مِنكَ في نَفسِي لِمُواساتي وَ مُوازَرَتِي و أداءِ الأمانَةِ إلَيَّ.... فَلَمّا أمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ في خِيانَةِ الاُمَّةِ أسْرَعتَ الكَرَّةَ وَ عَاجَلتَ الوَثبَةَ، وَ اختَطَفتَ
[١] . بحار الأنوار، ج٢٣، ص٢٧٣.
[٢] . نهج البلاغة، الكتاب ٥.
[٣] . المصدر نفسه.